شارك الخبر
الثلاثاء – 21 مايو 2024 – الساعة 11:04 م
بقلم: أمين اليافعي
تتسم تحليلات عبدالناصر المودع بنوع من التذاكي، لكنه تذاكي مكشوفٌ ومفضوحٌ، ودائماً ما يطفح بعداءٍ متأصلٍ تجاه الجنوب، وإن حاول التستر عليه تحت عباءة سوداء غليظة يسميها “المركزة” باعتبارها الحلقة المفقودة لكل ما يعانيه اليمن، دون أن يسأل نفسه، وهو الذي يحرص دائماً على حشو تحليلاته بالدسم كيف لحكومة مركزية أن يستقر بها الحال في بلد لم يعرف الدولة الحديثة قط (الشمال).
قبل سنوات عديدة (٢٠٠٩)، كتب في صحيفة عربية معروفة تحليلاً عن الأسباب التي تجعل من انفصال الجنوب مسألة مستحيلة. كان التحليل يُعبّر عن أمانيه وأوهامه الكبيرة أكثر مِما يُحاول أن يتقصى الواقع في شمولية أبعاده، وعمق محركاته وإنزيحاته، وقراءته بطريقة موضوعية وأمينة في سبيل ابتكار حلول مناسبة قبل فوات الأوان. حَرِص في هذا التحليل على تمرير الكثير من الالتباسات تحت فروة قانونية فخمة تم ليّ كل أطرافها لتقول ما يريده هو، بينما لم تكن بالنسبة لقارئ متمكن سوى مجموعة من المغالطات الشعثاء الغبراء، المغالطات التي لم تُعم سوى بصائر أصحابها، فلم تمض سوى سنوات قليلة حتى تفكك هذا البلد إلى مائة قطعة! والغريبُ أنه في هذا التحليل اعتبر “تدمير مؤسسات الجنوب” أحد أهم الأسباب التي تحول دون حدوث إنفصال، وبما إن انفصال الجنوب هو أم كل الكوارث من وجهة نظره، فهذا التدمير بالنسبة له ليس مجرد سبب فحسب، بل هو إنجاز عظيم! وهو بالمناسبة اعتراف خطير لو استطاع الجنوبيون الاشتغال عليه في مرافعة متماسكة لتقدموا خطوات كبيرة في مشروع استعادة دولتهم، فـ”وحدة الشماليين” تعني تدمير الجنوب بالضرورة، والشواهد كثيرة.
في هذا التحليل عن الإجراءات التي يُحاول البنك المركزي بعدن اتخاذها، يعود المودع إلى ممارسة طريقته التقليدية في التذاكي، فيحاول أن ينتقي بعض المعلومات، ثم يضفي عليها دسماً تحليلاً تالفاً ليضعها في سياق مقارنات عابرة للحدود، للوصول إلى خلاصة مُسبقة باتت لديه أشبه بعقيدة “استحالة وكارثية المشروع الانفصالي”!
خلاصة حديثه هنا هي أن أي تدخل للبنك المركزي في عدن هو تدخل كارثي. لم يهتم إطلاقا بالسياسات المصرفية والمالية التي يفرضها الحوثيون، ولا بمستقبل البلد الاقتصادي في ظل هذه الجماعة، ولا وضع البلد بشكلٍ عام بعد إدراجها كـ”جماعة إرهابية”، فقط كل ما يهمه هو أن يتم ترك البلد تمشي “على البركة” في سياستها المالية والمصرفية، فهو أفضل حل لها… هل هناك أكثر كارثية من تحليل تكون خلاصته على هذا النحو؟
ومن المغالطات الفاقعة في مقاله المرفق:
– حديثه عن سياسات البنك المركزي اللبناني التي أدت إلى فقدانه للاحتياطي النقدي، ومع إنه لا يجوز المقارنة بين الحالين، لكنه على الأقل وطالما قد تحدث عن “الاحتياطي النقدي” أن يمرر بمعلومة بسيطة ومعروفة عن ما فعله الحوثيون بالاحتياطي من العملات الاجنبية بعد سيطرتهم مباشرة على صنعاء (وهناك تسجيل مُسرب بين علي عبدالله صالح وقيادي حوثي يوضح كل ما حدث).
– اعتبر نقل البنك المركزي إلى عدن الطامة الكبرى، وهذا غير صحيح، الطامة الكُبرى هي أن النقل ظل شكلياً، وتلاعبت قيادات البنك (الشمالية) وشبكتها العميقة داخل البنك وخارجه (سياسيين، مراكز بحثية… إلخ) بمنع إحداث أي إصلاحات أو توطيد العمل المؤسسي في عدن، وتحريض كل مؤسسات صنع القرار الإقليمية والدولية (هناك مفاضحات سابقة بين هذه القيادات نشرتها وسائل إعلام كثيرة، فضلاً عن اعتراف وزير الخارجية الأسبق المخلافي عن مخاوفه من أن تحسن الوضع ف المناطق المحررة قد يقود إلى الانفصال!).
– في مقال سابق له تحدث عن التبعات الكارثية لهجمات الحوثيين في البحر الأحمر على البلد ككل، وكذلك عن التبعات بعد إدراجهم في قائمة الإرهاب. لم يُشر هنا بكلمة واحد عن تأثير ذلك على الجوانب المصرفية والمالية والاقتصادية.
– تحدث عن الوضع العام في عدن، ومع إن الواحد يحاول أن يتفهم نظرته العدائية في ضوء معتقده التليد “الوحدة أو الموت”، لكن وبما أنه معرم دوماً بالمقارنات، فكنتُ أتمنى عليه أن يعمل مقارنة بحال عدن مع بقية المحافظات اليمنية، وحالها مقارنة مع عواصم دول مرّت بظروف حرب سقطت فيها كل مؤسسات الدول، وكيف وصل الحال بهذه العواصم/المدن بعد عقد من الزمن.. والأمثلة كثيرة جدا