شارك الخبر
/علي صالح الخلاقي :
كم يخسر الوطن الجريج من كفاءات نادرة، تغادر رباه مجبرة للبحث عن ذاتها خارج حدوده الملتهبة بالنار والدماء..
في صلالة، التي زرتها الشهر الماضي، تعرفت على أحد الكفاءات المهاجرة، ممن حلق بأجنحته (الهندسية) في أكثر من بلد حتى طاب له المقام، مع أسرته المكونه من زوجته وولدين وثلاث بنات، في سلطنة عُمان، حيث الأمن والأمان، والسكينة والاطمئنان، وتحديداً في مدينة صلالة التي أحبها ووجد فيها الاستقرار النفسي والعملي ..
ولأنه قد أسس لمستقبله مبكراً، بجده واجتهاده في مطلع شبابه، فحيثما رحل أو اتجه يكون النجاح حليفه، لامتلاكه التخصص المطلوب في عالم اليوم، المتمثل في (هندسه شبكات الكمبيوتر)..
إنه المهندس منير عبدالرحمن حسين العامري السعدي اليافعي..
شاب مفعم بالحماس والحيوية، خفيف الظل، دمث الأخلاق، بهي الطلعة، مهيب الصلعة (التي تنافس صلعة رأسي)، يعطيها حريتها المطلقة أحياناً لتتنفس الهواء، ويغطيها أحياناً بكوفية غربية أو بعمامة عُمانية محلية.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: كيف وصل المهندس منير إلى هذا النجاح المنقطع النظير؟!
بالطبع..لم يكن طريقه مفروشاً بالورود، ولم ينشأ على بساط من حرير، فهو ينحدر – كما عرفت منه- من أسرة فلاحية، تسكن شعب البارع، في خلوة بن عامر حيث رأت عيناه النور عام 1977م، وفي يافع حصل على دراسته الأولية حتى الصف الخامس، وخلال تلك السنوات من عُمره الصغير رعي الأغنام وتعلم حراثة الأرض، وعمل في حمل الأحجار والتراب والماء في بناء بيتهم كعامل صغير، وكان يداوم مع جده لأبيه، رحمه الله، في دكانه الذي يملكه في مسقط رأسه.
أما والده فقد عرف الغربة منذ صباه، أي منذ الحادية عشرة من عمره، وفي عام ١٩٨٩م التحق منير بوالده في مهجره بالمملكة العربية السعودية، وعاش معه في حفر الباطن، وكان يعمل معه في نهاية في عطلة نهلية الاسبوع وفي الإجازات النصف السنه والصيفيه في محل بيع الذهب، وهناك أكمل المرحلة المتوسطة، ثم انتقل مع والده إلى جدة وفيها اكمل دراسته الثانوية.
المرحلة الهامة في حياته التي فتحت له أبواب النجاح هي سفره إلى بريطانيا عام ١٩٩٧م، التي مكث فيها عشر سنوات، وتحديداً في مدينة “شيفلد” حيث درس اللغة الانجليزية وأكمل دراسته الجامعية حتى تخرجه عام ٢٠٠٤م، بكالوريوس هندسه شبكات كمبيوتر، وباشر حياته العملية في أعمال مختلفه كان قد تعود عليها خلال سنوات دراسته، لتغطية نفقات الرسوم والمعيشة التي كان يوفرها من عرق جبينه، كما عمل أيضاً مع الجاليات العربية والإسلامية، وفي مصانع تغليف الأغذية المجمدة، وعمل لفترة موظفاً في إدخال بيانات في البريد البريطاني، ثم في مجال العقار والمواد الغذائية، وفي تدريس الطلاب اللغة الإنجليزية، وتوظف في تقديم خدمات كول سنتر في PC WORLD . وشغل مهمة مدير المدرسة العربية في نثرثوب في شفيلد، وأسس فريق كرة قدم للشباب سمي بفريق المغتربون، كما عمل مع الشباب والجامعات في تقديم بعض الندوات والمحاضرات في تنوير وتثقيف الشباب والأسرة.
غادر بريطانيا في يناير ٢٠٠٨م متجهاً إلى المملكة العربية السعودية واستقر في جده حتى ديسمبر ٢٠١٥، وهناك افتتح مركز تدريب في مجال تخصصه،وكان أول من نظم حفلات أناشيد قناة (طيور الجنة) في جدة والدمام والمدينة المنورة وجيزان. وفي عام ٢٠١١م أصبح مدير الدعم الفني وتدريب الأنظمة الإلكترونية في بلدية العاصمة المقدسة (مكة المكرمة)، وخلال عمله حاز على تكريم من قبل أمين عام العاصمة المقدسة. ثم انتقل إلى تركيا فلم يمكث فيها سوى ٧ أشهر، وغادرها منتقلاً إلى سلطنة عُمان في يوليو 2016م،حيث استقر فيها حتى الآن، يمارس عمله عمله في مجال التدريب والتطوير، ويدير أكاديمية تدريب بريطانيه (أون لاين) ، هي الأكاديمية العالمية للتدريب والتطوير البريطانية، ويمثل جهة اعتمادية، تعتمد المدربين والمدربات والمؤسسات التدريبية وبرامجهم، ولديهم ما يقرب من ٣ ألف عضو من جميع أنحاء العالم العربي، ويمارس هذا العمل بنجاح منقطع النظير منذ قرابة ١٧ سنة.
المهندس منير رغم عدم تمكنه من استغلال تخصصه في وطنه، ورغم نجاحه المتواصل في الخارج، إلا أنه ظل على ارتباط بوطنه وبمسقط رأسه من خلال زياراته التي لم تنقطع، وأسهم في دعم التعليم وتكريم الأوائل وكذلك في دعم فريق رياضي لكرة القدم، نظرا لشغفه بلعب كرة القدم التي يلعبها ويعشقها، كما أن له عمل فني من فكرته وإشرافه وتمثيله مع الأطفال، وأعد كذلك فكرة لفيلم مقترح عن حياة شاب استوحاها من خلال تجاربه التي تخللت مراحل حياته وساعدته في فهم ومسايرة صعوبات الحياة وكيفية مواجهتها والتغلب عليها. ويقول عن فكرته تلك:”أحببت أن يشاركني شباب أمتي تلك التجارب لكي يلتمسوا الفائدة،وتكون عوناً لهم في كيفية تجاوز بعض ماتلقيه الحياة بدروبهم أو كيفية الوصول لما يطمحوا إليه دون فقدان الأمل أو الحماس أو العزيمة””..
لقد جذبتني سيرة المهندس المنير، وإصراره على صنع النجاح، فنقلتها لتكون أسوة حسنة يقتدي بها شبابنا الطامحين لبناء مستقبلهم، والتغلب على أية صعوبات تقف أمامهم في دروب الحياة وصولا إلى النجاحات التي لن يبلغها إلاّ ذوو الهمم والإرادة.