شارك الخبر
في الليالي البيض من كل شهر كانت طرق جبال يافع في الثلث الأخير من الليل تتحول إلى مهرجان هدرة نسائية.
ما يقارب ثلثين من النساء يغادرن قراهن بعد منتصف الليل مغادرة جماعية إلى الشعاب والجبال البعيدة لجلب الحطب.. وفي الطريق نادرا ما تجد امرأة مستمعة، تقريبا كلهن يهدرْن في ليل مقمر بهيج يبعث النشاط على الكلام بصوت مرتفع، مثلما يبعثه القات في شلة الرجال المنسجمين الذين يجتمعون في مجلسهم، وهم ينظرون إلى حزم القات قبل أن يبدأوا التخزين، أو مثل هدرة القوم في الريف الذين يجمعهم قَرَمُ اللحمة عندما يتشاركون ثورًا ويجتمعون عند جزارته.
لقد صار كلام الحواطب مثالا يُضرب للكلام الذي يُقال دون خطام ولا زمام ولا يلتفت إلى تحمل مسؤوليته.
العجيب الذي يشبه الأساطير أن النساء في ذلك الوقت لم تكن لهن نعال، وكن يمشين في الشعاب المهجورة الممتلئة بالشوك حافيات الأقدام، وكن في محطات الاستراحة في رحلة الرجوع ينشغلن بنقاشة الشوك لبعضهن البعض من أحفيتهن التي صارت بصلابة الجلود اليابسة.. وكن ينقشن بشوك القتاد الصلب الذي يجلبنه معهن من رحلة الحطب، وكثيرا ما تنكسر الشوكة فوق الشوكة، ويبقى الجزء غير الطارئ من الشوك إلى لحظات الوصول إلى البيت حيث توجد الإبرة.
ومن العجائب أن النساء كن يتنافسن في حجم الحملة، ولا سيما الشابات المقبلات على الزواج، فإن مقدار حملتها هو الذي يجعل الخُطّاب يتنافسون عليها، وكان يقال في وصف الفتاة القوية(صُرَّة وحَمْلة) وهي الصفة العليا في الفتاة الحاظية.
ويزداد التنافس في حجم الحملة أيضًا بين النساء المتقاطعات حديثات العهد بالملاسنة في القرية، فكل واحدة تريد أن تثبت لخصيمتها أنها هي الأقوى.
كانت حملاتهن عجبا، أجزم أن رجال هذا الزمان لا يصبرون على حملها في طرق جبلية طويلة وشديدة الوعورة، بل لم يعودوا يصبرون على المشي في تلك الطرق الطويلة بدون حِمال.
ولا تظنوا أنهن بعد وصولهن من الحطب في الظهيرة يخلُدْن للنوم أو للراحة، بل تنتظرهن أشغال أخرى، من جلب الماء من البير، وطباخة العشاء، وسقاية البقر والغنم وتفقد أحوال البيت.
والحوامل لم يكن يتوقفن عن الحطب إلا في الأشهر الأخيرة من الحمل حينما تبرز كروشهن، وإذا لم يكن للحامل معاونة فقد تستمر إلى نهاية الشهر الثامن، وإذا توقفت الحامل عن الحطب فلا تتوقف عن بقية الأعمال، بل تستمر في عملها إلى لحظات الولادة، فلا يلدن إلا فوق أعمالهن، سواء في البيت أو في الطين أحيانًا، وكن مع قرب الولادة يتوسلن “العِطْفة” (وهي سكينة صغيرة تنعطف إلى مقبضها) استعدادا لطارئ الولادة إذا حصل وليس بجانبها أحد يسرِّر الطفل، فكن يسررن بأنفسهن في حالة الاضطرار، ولم يكن هذا نادر الحصول.
#إلى فتياتنا النواعم في هذا الزمان اللاتي تتأثر بواطن أقدامهن من البلاط غير الناعم..ليس هذا الكلام من وحي الخيال، بل كان واقعًا، واسألن بقايا ذلك الزمان من الجدات، سلام الله عليهن ورحمته وبركاته.
د.عارف بن عبد