شارك الخبر
يبدو فتحي بن لزرق كحقلٍ لم ينبت سوى أعشابٍ ضئيلة. ليس في حضوره ما يُلهم، ولا في كلماته ما يُشعل جذوة الفكر، بل إنه أقرب إلى مرآةٍ مشروخة تعكس السطح دون أن تخترق العمق. لكأنه قد استنفد أحلامه مبكرًا، وبات مقتنعاً أن ما بلغه هو غاية السعي ومنتهى الإنجاز.
ما يفعله فتحي بن لزرق، في جوهره، ليس سوى تقليب لحصى القضايا العابرة، ضجيجًا لا يُولد منه سوى رجع الصدى. قلمه، على الرغم من صلابته السطحية، يفتقر إلى تلك الشرارة التي تحوّل الكلمات إلى نارٍ أبدية، وإلى العمق الذي يجعل من الصحافة منارةً تقود العقول نحو الأفق اللامتناهي.
فتحي مجرد صحفي ذكي، ناقل أخبار مثابر يعرف كيف يبسط الأحداث لتبدو شعبوية وسهلة الهضم. لكنه ليس بمثقفٍ أو ملهم. فلا خيال فلسفي يرفرف في أفق الرجل، ولا رؤية سياسية متجاوزة تنبض بالحياة، ولا حتى صوت أدبي مبدع يعج بالثراء، يلهِم الأرواح ويضيء العقول. ولو أمكنني تصنيفه لقلت بأنه كاتبٌ خبريٌّ تقليديّ، أسير اللحظة، يجيد إثارة الغبار في الهواء دون أن يخلق عاصفةً حقيقية.
هل أبخس الرجل حقه..؟ لا أعتقد ذلك. لأن تلك هي حقيقته الكاملة، وأقصى ما يحسن القيام به. فهو أشبه بعازف مرتبك يُعيد تكرار النغمات نفسها دون أن يجرؤ على الإضافة أو التجاوز.
ربما أكثر ما أفلح فيه الرجل هو قدرته على إدراة شبكة واسعة من علاقات عامة تربطه بأقطاب السلطة ورؤوس المال. وهو إلى جانب ذلك يعرف تصيد الأدوار الشعبوية بتربص صحفي فضول ومتبطل، بلا فرامل أخلاقية ولا ثوابت فكرية متجاوزة. وهو ما جعله مرناً حد الاضمحلال في شقوق الأنا المادية الشرهة. لكنه مع ذلك لا يتجاوز دورًا خجولًا على مسرح الزمن.
نعم، استطاع فتحي، بلا شك، أن يبني، من العدم، صرحًا إعلاميًا وأن يشق لنفسه طريقًا نحو شهرة عريضة جعلته اسمًا مألوفًا ولامعاً، أحرز لذاته مكانة وحظوة، وتمكن من بناء نفوذ كبير. لكن هذا كله يفتقر إلى الروح، بناءٌ ماديٌ فارغ، يشبه مدينةً بلا سكان. فما قيمة كل ذلك إذا ما قورن بفقر الروح الثقافية وغياب المخيلة الخلاقة..؟! إن الشهرة التي تخلو من المعنى العميق ليست سوى صدى يتردد في فضاءٍ فارغ، مثلما يقول أحدهم.
معظم جمهور فتحي هي جموعٍ تائهة تبحث عن سراب عابر يروي فضولها الجاف، سندوتشاتٍ خفيفةٍ من الأفكار والقضايا المعلبة، يسوّقها بمهارة التاجر المتمرس. حتى حين يرفع صوته بقضايا الشأن العام، يظل صوته محاصرًا بجدران السطحية. دوره، مهما بدا إيجابيًا في خدمة المجتمع، لا يرقى إلى مستوى التحولات العميقة. أين تلك الأفكار التي تكسر حواجز الممكن، وتخترق الحجب، مما يطرحه الرجل..؟ لا شيء. عقلُ خاويٌ كجذع متهالك، ومخيلة بالكاد تتجاوز ما يطفح به الفضاء الرقمي.
إن الذخيرة الفكرية التي يحتاجها أي صانع للرأي العام غائبةٌ تمامًا عند فتحي. وكأنه لم يدرك حتى اللحظة أن الإعلامي الحقيقي ليس مجرد حاملاً للغرائز الشعوبية ولا ناقلاً حرفياً للأخبارٍ والقضايا العابرة. بل هو في عمقه أداةٌ لتفكيك العالم وإعادة تشكيل الواقع بما ينسجم مع القيم الكبرى والمعاني الرفيعة للحياة.
استطاع صحفيون شبان، جاؤوا من الهامش ومن أماكن قصية، تجاوز حدود الذات وأقاموا تجارب فكرية وثقافية تفيض بالإلهام وبالاعتماد على أنفسهم، بينما مكث فتحي عالقًا في مستنقع السطحية، يستجر ذاته دون طائل ويكرر جلده كأفعى شائخة، حتى وهو محاط بكل تلك الحظوة السلطوية المروعة والنفوذ المالي الممتد. تجاوز هؤلاء الشباب حدود الصنعة الصحفية، وباتوا مُلهِمين للجيل الجديد بسعة خيالهم وعمق أفكارهم وفرادة لغتهم، أما صديقي فإنه كمن قرر التوقف عن النمو، بمزاج صحفي رتيب، وذهنية تحجرت عند بداياتها الأولى:
لغة ما زالت بسيطةً، ومفردات خالية من الألق، ونفسًا صحفيًا بدائيًا لا يطمح إلى أي تجديد أو ارتقاء.
لعل ما يكشف هشاشة فتحي أكثر من أي شيء آخر هو التناقض الصارخ في مسيرته. ذات يوم، كان من حراس الثورة، يهتف مع الجموع في ساحة المنصورة، ويحلم بوطنٍ جديد. لكنه، كطائرٍ جبان، تخلى عن عشه الأول وعاد ليغني في حفلة ارتدادية ضمن جوقة النظام الذي كان يومًا يقاومه. صار يمدح إرث الماضي، يُمجّد إنجازاته، ويلقي باللائمة على من أسقطوه، متناسيًا أنه كان واحداً منهم. وبالمثل تنكر للحراك الجنوبي الذي كان أيضاً أحد ناشطيه، بل والأكثر شراسة وأذى بينهم. إنه تناقض الإنسان الذي يهرب من ظله، يلتف على نفسه كأفعى تبتلع ذيلها.
لكن فتحي لا يُثير السخط بقدر ما يُثير الأسى. فهو هنا لا يبدو إلا كعينة بسطية عن الزمن اليمني نفسه، زمنٌ يحترق في تناقضاته، حيث الثورة تتحول إلى نقيضها، والوعود تذوب في مستنقع المصالح.
في النهاية فتحي رجلٌ طيبٌ وشهم، بسيطٌ ومرح، وصديق نبيل، ولي معه مواقف عديدة أثبت من خلالها أنه شخص أصيل وكريم الطباع. كما أن هناك جوانب عديدة إيجابية ومثيرة للإعجاب في شخصيته. وهو إلى جانب ذلك متميز ومتفوق عن كثير من أقرانه، بحيث لا يوجد أي وجه للمقارنة بينه وبينهم، ولا بأي حال من الأحوال.. على أنه حكايةٌ ناقصة لم تُكتمل، أو ربما تكون حياته انعكاسًا لعصرٍ متخبط، حيث يُقاس النجاح بالمظاهر لا بالجوهر، وحيث تُدفن الأسئلة الكبرى تحت ركام التفاصيل الصغيرة.
لكنه، بكل تأكيد، ليس بطلًا لهذا العصر، بل شاهدٌ أميناً على هشاشته وعبثية الآمال التي يتقصدها، نقشٌ باهتٌ على فلاة من رمال مذرورة، سرعان ما ستطمسه الرياح الأولى.
عبدالقادر زائد