شارك الخبر
د عارف بن عبد
فالدين هو الفطرة التي فطر الله الإنسان عليها، تدعوه من أعماقه إلى أن يتصل بالرب الإله المتصف بالكمال المطلق.. يراقبه في كل أحواله، ويعبده محبةً وخوفا ورجاءً..إنه صوت الضمير داخل الإنسان، يملأه بالرحمة والرضا والبر والتواضع، ويدعوه إلى الأمانة والإخلاص والإحسان إلى الناس.
أما التطرف الديني فإنه أيديولوجية تستند إلى الدين، إنه عبارة عن ذئبين جائعين يفسدان الفطرة الدينية عند الإنسان، اسم أحدهما السلطة، واسم الآخر الثروة.
هذان الذئبان موجودان في عمق الإنسان، ويخوض الصراع لتحصيلهما، وفي سياق هذا الصراع لا يتورع الذين يتضخم عندهم الذئبان عن استغلال فطرة الدين لتنمية هذا التضخم، فينشأ عن هذه الخلطة بين الدين والطمع التطرف الديني الذي بموجبه تعتقد مجموعة من الناس، لهم زعيم ديني وسياسي وسادة وكبراء، أنهم أولياء الله وأحباؤه دون العالمين، وأن الجنة خلقت لهم وحدهم، أما بقية البشر فإنهم إلى الجحيم إلا من خدم نفوذهم وسيادتهم.
الفرق بين الدين وبين التطرف الديني مثل الفرق بين خمر الجنة وبين المخدرات الأرضية.
فإن الدين هو خمر الجنة الزلال، يُسقى الإنسان منه في هذه الدنيا فيحوله إلى ملاك طاهر، وبمقدار ما يشرب منه تكون درجته عند الله: نبيا أو صديقا أو قديسا أو وليا أو تقيا صالحا أو شهيدا في سبيل الإنسانية.. يجد لذته الكبرى في الصلاة والإحسان والتواضع والزهد، وقد كان العارفون بالله يقولون: “إن في هذه الدنيا جنة من لم يدخلها لا يعرف معنى الجنة بعد الموت” وكان رسول الله عليه الصلاة والسلام، الرحمة المهداة من الله، ينسى الطعام والشراب بسبب هذا الوجد العظيم، ويرى أن السلطة والثروة لا تعدل جناح بعوضة بمقابل ما يجده من لذة الاتصال بالله.
أما التطرف الديني فإنه نوع من أخطر أنواع المخدرات يُنتج من إضافة الطمع إلى الدين، وبهذه الخلطة يتحول الإنسان إلى كائن عنيف متوحش متطرف ضيق الأفق يمارس العدوان والتكفير والتضليل والتفسيق والتبديع والإرهاب الفكري والمادي باسم الرب الإله.. فالتطرف الديني هو الذي أنتج محاكم التفتيش في العصور الوسطى، وصنع القنبلة النووية في هذا العصر، وألقى الحمم والبراميل المتفجرة من الطائرات على بيوت الناس، وحد السكاكين لقطع الأعناق، ومارس التطهير العرقي، وفجر البيوت والمساجد ودور العبادة، وشيد السجون الوحشية، وحفر الأخاديد وملأها بالنار ذات الوقود .. لقد أحال أرض الله الطيبة إلى جحيم ذات رعب ورماد.