شارك الخبر
مسعود عمشوش
مارس القاص الروائي صالح سعيد باعامر كتابة الذات بطرق مختلفة؛ فمنذ ثمانية أشهر شرع في نشر سيرته الذاتية في حلقات بعنوان (بين الجبل والبحر)، وذلك في مجلة (حضرموت)، وقد أكد لي “منذ مدة وأنا أكتب سيرتي الذاتية المضخمة ببعض التخييل، ونشرت منها ثلاث حلقات في مجلة (حضرموت) التي يصدرها سالم بن سلمان عن دار حضرموت الذي وعد بطباعتها. ولدي رواية سيرذاية بعنوان (الغمزات الضوئية)، ستُطبع في (دار أروقة) بالقاهرة”. وقبل سنوات نشرت له مجلة (المنارة) مقالا طويلا بعنوان (كيف أصبحت كاتبا).
إضافة إلى كل ذلك، مارس صالح باعامر نوعا من كتابة الذات لا يزال محدود الانتشار بين الحضارم: اليوميات، التي قدمنا لها بوصفها جنساً أدبيا، في دراستنا حول (على أحمد باكثير وفن اليوميات). وقد نشر باعامر، في إطارٍ ضيق، جزءا من يومياته بعنوان (يوميات الكويت)، وهو النص الذي سنقوم بتقديمه في هذه الدراسة.
تبدأ (يوميات كويتية) بتاريخ 23 فبراير 1988 مساءً، وهو اليوم الذي غادر فيه المؤلف ووالده، الذي كان يعاني من مرض السرطان في حنجرته، مطار الريان متجهين إلى الكويت للعلاج. وتنتهي في 24 إبريل 1988، وهو تاريخ عودتهما من الكويت إلى المكلا.
ويبلغ عدد اليوميات الكويتية 62 يومية. وفي الحقيقة هناك أيام لم يكتب باعامر فيها شيئا، وفي بعض الأيام كتب يومية في الصباح وأخرى في المساء أو الضحي. وتتفاوت اليوميات من ناحية الطول وطبيعة المحتوى. ومثلما تفرضه معايير الجنس، يلتزم باعامر بوضع التاريخ في رأس كل يومية، ويحدد بجانبه الفترة من اليوم؛ صباحا أو ضحى أو مساءً. وأحيانا تبرز قفزات يشار لها بعبارات مثل: صباح اليوم التالي، أو بعد يومين. وتتميز (اليوميات الكويتية) بوضع المؤلف عنوانا في رأس كل يومية، وتحتوي بعض اليوميات على عناونين داخلية. وهذا يعني أن باعامر قد حاول أن يركز حديثه في كل يومية على موضوع أو حدث معين، وفي بعض يومياته تناول أكثر من موضوع أو حدث وضع عنوانا لكل منها.
ومثل الأديب علي أحمد باكثير، وظف القاص الروائي صالح سعيد باعامر في يومياته عددا من تقنيات السرد، لا سيما الحوار والوصف وأسلوب الإثارة والتشويق. ومن الواضح أن كثيرا من (يوميات كويتية) قد أخذت صبغة السرد القصصي. ففي يومية 26 فبراير، وتحت عنوان (العشيقة البديل)، يكتب “دخلت معرض النظائر فوجدت أحمد منشغلا بتلبية طلبات الزبائن، نظرت إليه فلاحظت مسحة حزن على وجهه. وعندما سلمت عليه أشار لي بالجلوس على مقعد قريب منه، وأشار إلى صبي ليجلب لنا (استكانتي)، أي شاي أحمر. وما أن انتهى أحمد من الزبائن الذين غادروا جميعا وخلى المكان اقتعد على كرسي قبالتي، وأطلق عدة اّهات وتنهدات، فقلت له: ما بك ابن عمي؟ أتيت إليك بناء على مكالمتك، وأراك عابسا ومهموما وكأن السماء ستنطبق على رأسك! أهذا استقبال لزائريك القادمين توا إلى الكويت؟
– قبل قليل تلقيت اتصالا من (طيبة) أخت صديقتي (حصة)، أخبرتني أن حصة توفيت اليوم نتيجة حادث سير في القاهرة … تصور أمس اتصلت تؤكد أنها تعافت وهي بصحة جيدة وأنها قادمة بعد غدا. واليوم أتلقى نباء وفاتها!
– كلنا لها، فلا شيء أقرب للإنسان من الموت لأي سبب كان.
– المؤلم أن طيبة أعلمتني أن حصة قبل سفرها للعلاج أوصتها قائلة: إن حدث لي مكروها كوني أنت البديل لي.
– ماذا؟ وما رأيك أنت؟
– كيف لي أن أخون حصة وأنا الذي عاهدتها على الحب حتى الممات؟
– انتبه لعملك أخي. أتيت لتعمل لا لتعشق! وللعلم هذا البلد يحترمنا ويقدرنا فلا نكافئه بقلة الأدب.
ونهضت لأغادر فقال: متى ستاتي أنت والوالد لنتغدى معا؟ فقلت له بعد خروج الوالد من المستشفى بأذنه تعالى. وغادرته وتوجهت إلى بيت الجهراء”.
ويواصل باعامر سرد أحداث مغامرة قريبه أحمد في يومية 16 مارس88 مساءً، تحت عنوان (العشيقة البديل-2)، قال فيها: “حدثني أحمد باعامر أن أخت عشيقته المتوفاة في حادثته البارحة هاتفيا، واستمرت ساعة كاملة، ويقول: طلبت مني أن أعمق علاقتي بها أكثر فأكثر، لتغدو فعليا عشيقه بشكل أعمق، وألا تتوقف علاقتها بي عند النقطة التي توقفت عندها علاقة أختها بي”.
ومثلما يعطي صالح باعامر أحداث سيرته الذاتية (بين الجبل والبحر) أبعادا مضخمة، لا يتردد كذلك في (تضخيم) بعض الحوادث التي يسردها في يومياته (الكويتية)، ففي يومية 28 فبراير، مثلا، يكتب “ذهبنا الصباح إلى مستشفى الصباح وقدمنا لمسئول المختبر ما طلبه الدكتور أحمد لطفي، فأخد مسئول المختبر من أبي عينات من الدم والبول والبراز دون أن ندفع مقابلا ماليا. وريثما ينجز التحليل بعد نصف ساعة أجلست أبي فوق مقعد في صالة المستشفى، ودخلت أنا أقرب حمام لأفرغ ما تضج به مثانتي فلم أدر إلا وأنا أمام سيدة صارخة البياض رافعة ثوبها إلى منتصف فخذيها وما فوق الساقين كان غائصا داخل (الدرينش)، وقد دفعتها المفاجأة إلى أن تدس رأسها في صدرها وتضمه بيديها وتصرخ مستنجدة بأي أحد يقيها من الوحش الذي اعتقدت أنه سيفترسها، أما أنا فهربت إلى ما لا أدري، فقادني هروبي إلى درينش معلق في أحد الجدران، لو رأيته قبل دخولي حمام تلك السيدة لما حدث للسيدة ما حدث ولما هربت من الفضيحة. وبعد أن جفت مثانتي وهدأت العاصفة بداخلي، عدت إلى حيث ينتظرني أبي فرأيت المرأة الصارخة البياض وزوجها يدققون النظر فيّ وقد اعتراهما الشك من أنني الشخص الذي دخل ذلك الحمام”.
أما حادثة لقاء صالح باعامر بإحدى مريضات السرطان فقد أخذت فعلا صبغة القصة القصيرة مكتملة الأبعاد، فهي تحتوي على بداية وعقدة ولحظة تنوير.. حزينة، وقد وزّعها الراوي على أربع من يومياته، جاء الجزء الأول منها في يومية 1 مارس بعنوان (اشتباك)، وقد بدأه على النحو الآتي: “خرجت من غرفة الأشعة بمركز زكي جمعة للسرطان الذي يرقد فيه أبي حاملا (الروشتات)، وما أن هممت اجتياز عتبة الغرفة إذا بعينيّ تشتبكان بعيني امرأة ذات سحنة حيّرتني؛ تقاسيم وجهها هجين من ملامح هندية كويتية خليجية، وربما تكون أقرب إلى بنات بادية الجزيرة العربية. وكانت تقتعد كرسيا متحركا من نوع الكراسي التي يتنقل بها المريض، وتقف خلفها امرأة بلباسها الأبيض كأنها مرافقة صحية لها وبدت لي كأنها إيرانية. التقت عينيّ بعينيها الواسعتين بشكل أجمل مما رأيت من عيون النساء الجميلات. وعندما تخطيتها وقبل أن أعطف ناحية البهو الذي يتوسط مبنى المركز الذي ينتظر فيه أبي مع العديد من المرضى الراغبين في مقابلة أطبائهم التفتُّ خلفي فوجدت المرأة الهجين تنظر خلفها، توقفت وخلتها كأنها ستقف وستأتي وتتقدم نحوي فمنعتها المرأة التي تقف أمامها وأشارت إلى اثنين من المساعدين الصحيين إن يدفعوا الكرسي الذي تجلس فيه ويدخلون بها غرفة العلاج الكيماوي”.
ويتابع باعامر سرد لقائه بمريضة السرطان في يومية 10 مارس 1988 صباحا، بعنوان (المرأة الهجين -2) “أخذت أبي صباحا من غرفته بالطابق الثاني بمركز السرطان لإجراء له بعض الفحوصات والتحاليل الطبية والأشعة التي أوصى بها الطبيب المختص. في مختبر المركز أخذوا منه عينات من البول والبراز والدم وطلب منه أحد العاملين الانتظار بينما طلب مني الخروج. اتخذت لي مقعدا في صالة الانتظار قريبا من باب المختبر. وصلت المرأة الهجين وحين اكتشفت وجودي وقفت أمامي وسألت:
– كيفك؟
– الحمد لله.
– مما تتعالج؟
– لست أنا، بل أبي هو الذي يتعالج هنا.
– مم يشكو؟
– سرطان في البلعوم …. وأنت؟
– أتعالج منه أيضا.
– في أي بقعة من جسدك ينهش؟
– ……………
– فهمت. من أين أنت؟
– من البحرين.
خرج أبي واقتعد بجانبي، فدخلت البحرينية إلى المختبر، وذهبت وأبي إلى غرفة الأشعة”.
ويتابع الراوي سرد القصة في يومية 13 مارس 1988 صباحا، تحت عنوان (رسالة صوتية): “ذهبت إلى مركز السرطان في وقت مبكر من هذا الصباح ودخلت إدارة القسم الذي به أبي لأسلم أحد الممرضين جهاز تسجيل وشريط كاسيت ليسجل الرسالة الثانية التي سأرسلها للعائلة في المكلا مع الطائرة المتجه إلى المكلا، التي ستقلع صباح غدا من مطار الكويت إلى مطار الريان. وما أن انتهيت من تسليم إحدى الممرضات جهاز التسجيل وشريط الكاسيت هممت بمغادرة المركز فإذا بالبحرينية الهجين التي عرفت أن اسمها بدرية تواجهني من فوق السرير الذي ترقد فوقه في قسم النساء، وحييتها بإشارة من يدي، فطلبت مني المجيء فأشرت لها بأني سأزورها في العصر”.
وفي اليومية التي كتبها مساء اليوم نفسه، أي يومية 13 مارس 1988 مساءً، التي أعطاها عنوان (وفاء) يختتم القاص صالح باعامر قصة لقائه الذي لم يتم على النحو الآتي: “جئت إلى المركز في العصر ودخلت غرفة أبي بموافقة حارس غرفتهن وفور جلوسي اطمأننت على صحته فوجدته أفضل من ذي قبل. وسألته عما فعل بالشريط فناولني المسجل والشريط. ونصتُّ لما سجل فيه ابتداءً ببسم الله الرحمن الرحيم وانتهاءً بالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ثم استأذنته الخروج لبضع دقائق. وتوجهت إلى قسم النساء لزيارة بدرية البحرينية وفاءً لما وعدتها به.. قابلت مسؤولة قسم النساء فأذنت لي بالدخول إلى العنبر، وما أن رأتني الممرضة أخذتني جانبا وانبأتني بصوت متهجد قائلة: توفيت بدرية قبل ساعات ونقلوا جثمانها إلى خارج المستشفى، فعدت إلى أبي حزينا”.
وفي هذه اليومية القصصية، يذكر باعامر: “قرأت اليوم أن كلية التربية الأساسية ستقيم أمسية قصصية وتدعو الراغبين في الاشتراك أن يتقدموا بآخر قصة كتبوها خلا ل ثلاثة أيام من تاريخه. أطبقت الصحيفة وفكرت مليا، فقررت الاشتراك في الأمسية. وقلبت أوراقي بحثا عن قصة أشترك بها لكني ارجأت حسم الموضوع إلى ما بعد موافقة الكلية على اشتراكي في الأمسية”.
وفي يومية 15 مارس 1988 مساءً، بعنوان (مشاركتي في أمسية قصصية)، كتب “قبل قيام الأمسية بيوم واحد زرت القسم وقد استقبلني مسئول القسم حسن محسن الذي دخل معي في نقاش طويل حول ثالوث السياسة والدين والجنس في القصة، فأوضحت له أن من سماتي تجنب ذلك، وإن تعرضت لواحد من هذا الثالوث أحاول توظيفه فنيا لخدمة للسياق العام لما أكتب. وناولته قصة (اللوحة)، فاقترح عليّ أن أغيّر كلمة نهديها بصدرها، ووافقت على مقترحه، وقبل أن أغادر سلمني أربع مطبوعات من إدارة الكلية، وهي نسخ من الدوريات التي يصدرونها”.
المزج بين الحاضر والماضي في (يوميات كويتية):
في دراستنا السابقة المكرسة ليوميات باكثير، ذكرنا أن اليوميات، بعكس السيرة الذاتية التي يعد الاستذكار من أهم مقوماتها، وبعكس المذكرات التي تركز على دور كاتبها في الشأن العام، تستبعد دور الذاكرة ويقوم صاحبها بتسجيل الأحداث التي يمر بها أولاً بأول دون إهمال أو تأجيل. وبما أنها تركز في الغالب –وليس دائما- على الشخصي والحميمي فقليل هم الكتاب الذين يقدمون على نشر يومياتهم، ويقوم كثير منهم بتوظيفها في كتابة مذكراتهم أو سيرهم الذاتية.
ومع ذلك، نلاحظ أن باعامر لم يستطع في (يوميات كويتية) تجنب المزج بين الشأن الخاص والشأن العام، والمزج كذلك بين الحاضر الراهن وبين الماضي، فكثير مما شاهده صالح باعامر في الكويت في مطلع سنة 1988، ذكره بفترة إقامته فيها في مطلع ستينيات القرن العشرين، ومن المعلوم أن صاحب اليوميات، مثل كثير من أبناء ساحل حضرموت، قد درس المرحلتين الابتدائية والثانوية في الكويت. وفيها أيضا بدأ عمله الصحفي في مجلة (الطليعة) بعد حصوله على دبلوم في الصحافة في القاهرة.
ففي يومية 11 مارس 1988 صباحا، التي تحمل عنوان (عودة إلى ستينيات القرن العشرين)، يكتب باعامر: “لم أدر كيف هجست بزيارة المكان الذي كنت أعمل فيه بالكويت قبل أن أنتقل إلى مجلة (الطليعة) في عام 1964. نهضت في الصباح وتوجهت إلى شارع المباركية الواقع في قلب العاصمة والسوق التجاري، وكان هدفي رؤية معرض السلام لبيع الأقمشة الصوفية الرجالية، فوجدت الشارع هو الشارع، وأن شمخت فيه عمارات كثر، وازدادت المحلات والسيارات وازدحام المارة، والموضات الجديدة للملابس، حتى مدرسة المباركية لا تزال في مكانها، وهي على اسم المبارك الكبير، أحد شيوخ عائلة الصبا ح، وله دور وطني بارز في الكويت.
ووجدت أيضا أن العمارة التي يقع بها معرض السلام هي هي، وكذلك المقهى الذي يحتل جزءا من الطابق الأرضي من العمارة، التي كنا نأخذ منها السندوتشات والمرطبات والقهوة التركية، لكن الشخص الذي جئت لرؤيته، لم يعد موجودا، إنه العم عبد القادر العبد القادر، صاحب معرض السلام، فأول من سألته عنه مالك المقهى الذي انبرى قائلا: لقد أصيب بالجنون بسبب سوق المناخ الذي هزّ الاقتصاد الكويتي في بداية الثمانينيات، وهو يرقد في المصحة”.
ويخلط المؤلف كذلك بين الوجوه النسائية التي يراها خلال مرافقته لوالده المريض وبين تلك الوجوه النسائية التي شاهدها في الكويت قبل خمسة وعشرين سنة؛ ففي يومية 21 مارس 1988 صباحا، التي أطلق عليها (بين سمراء 88 وقمحية 64)، كتب: “لم تكد الساعة تشير إلى السابعة صباحا إلا وأنا وأبي في العيادة بمركز زكي جمعة للسرطان ننتظر الوقت الذي يحين فيه وقت دخولنا عند الدكتور أحمد لطفي. ننغمس بين وشوشة الجالسين الذين ينتظرون الدخول عند الطبيب الذي يتولى علاجهم، وبين الهرج والمرج والاحتجاج على دخول البعض قبل حلول موعدهم، دخلت العيادة امرأة ذكرتني بنبيلة التي تبادلت معها نظرات الإعجاب والتوق الذي عادةً ما يحدث بين شاب وشابة. كان ذلك عام 1963، في معرض السلام لبيع الاقمشة الصوفية الذي يقع في شارع المباركية الذي كنت أعمل فيه في الفترة 63- 1965. الاثنتان تتشابهان كثيرا، الفارق الذي بينهن إن نبيلة قمحية اللون وهذه سمراء، وسمة نبيلة الصمت إن تحدثت معك فبعينيها، أما هذه فتحب أن (تسولف) كثيرا، وفي كل شيء، حتى الدكاترة تشنع عليهم ودائما تردد: ليس كل دكتور دكتورا. وبين الفينة والأخرى تنظر اليَّ وكأنها تشجعني وتحثني على أن أتحدث وأقول أي شيء، أما نبيلة فتكتفي بالتحديق، وتفتح عباءتها لكي أرى (نفنوفها) البني المشغول بنمنمات صفراء، وتكشف عن شعرها المسرح بعناية فأنظر وأتفرج على هذا المشهد المسرحي الصامت الذي كان ينتهي بابتسامة قبيل أن تغادر مع أمها وأخواتها. هذا المشهد دفعني أن أسطر بضع عبارات أسميتها قصة وعنونتها بـ(الحب الصامت)”.
وفي يومية 26 مارس 1988 مساءً، نكتشف كيف يساعد مكان الصيدلية التي ذهب لشراء دواء منها على بعث حشدٍ من الذكريات المرتبطة بالسينما والممثلات المصريات، وكتب “ابتعدت من الصيدلية المجاورة لسينما حولي الصيفية، ونظرت إلى ساعة يدي فوجدت عقاربها تبتعد عن الساعة الخامسة مساء بربع ساعة، جال نظري، وتلفت متفكرا حولي فتناهت لي صالة السينما، فتذكرت الأيام التي كنا نذهب فيها هذا الدار لمشاهدة الأفلام العربية والهندية والغربية (إشاعة حب لسعاد حسني ويوم من عمري لعبد الحليم حافظ، ويوم بلا غد لفريد رفعت). ونظرت إلى الجدار فرأيت الإعلان عن الفيلم الذي يعرض هذه الليلة، والمتبقي من بدء عرض الفيلم خمسة وأربعون دقيقة، فتذكرت عندما نذهب إلى هذه الدار في الستينيات لمشاهدة فيلم ما ننتظر في الوقت المتبقي من عرض الفيلم في الكازينو الملتصق بالدار لنتناول الايسكريم وشراب الكندا.. وعدت إلى البيت في الجهراء حوالي التاسعة ليلا ورأسي يعج بذكريات أجمل أيام شبابنا، عندما كنا نتشبث بالباص الذي ينطلق بنا إلى المرقاب أو القلبة لنأوي مسكننا وخيالنا لا يفارق صور سعاد حسني وسميرة أحمد ونادية لطفي وزبيدة ثروت”.
وبعد أن تظهر الفحوصات التي تبيّن استجابة الوالد للعلاج وتحسن حالته، يسمح صالح باعامر لنفسه بقضاء كثيرٍ من وقته في الاستجابة لشعور الحنين للأماكن التي عاش فيها جزءا من شبابه، ففي يومية 21 مارس 1988، كتب: “كل صباحاتي ومساءاتي بعد هذا التاريخ، أقضيها متجولا بين معالم الكويت، واضعا مقارنة بين كويت فبراير 1961، أي يوم قدومي إليها أول مرة، وبين الكويت التي جئت إليها في فبراير 1988. وأول ما فكرت في رؤيته: زيارة أسرة تحرير مجلة (الطليعة) الكويتية، وفي المقدمة رئيس تحريرها الأستاذ سامي المنيس. اتصلت بالأخ محمد جابر ليقلني بسيارته إلى مقر مجلة الطليعة واتفقنا أن نلتقي عند بيت الأخ أحمد عمر بمنطقة حولي”.
وقبل أن يتابع باعامر الحديث عن محاولته اللقاء برئيس مجلة الطليعة، يستطرد قليلا ليحكي لنا التحاقه بها، فهو يقول في يومية 22 مارس 1988 صباحا، بعنوان (لقاء لم يتم): “كنت قد انتقلت من عملي بمعرض السلام لبيع الأقمشة الصوفية الرجالي بالمباركية في شهر يناير 1965، حدث هذ الانتقال بعد أن نلت دبلوما في الصحافة من معهد الصحافة بالقاهرة وبعد أن نشرت بعض الكتابات عن حضرموت في الطليعة. ولأنني غدوت عضوا في حركة القوميين العرب ولأن المجلة في حاجة إلى محرر يتولى متابعة أخبار الجنوب مثلما هو موجود لدى المجلة من محررين من البحرين والسعودية وفلسطين ولبنان، ومحررين من الكويت.
تنقلت في سيارة أحمد جابر من شارع إلى شارع، فوجدتني أشعر بشيء من الاطمئنان والأمان، وكأنني في المكلا وليس في الكويت، هذا الشعور لم أكن أحس به في عقد الستينيات: تلاقح الأفكار وعملية التثاقف ومشاعر الأمس وتباينها مع مشاعر اليوم، فبلدي اليوم صار حرا مثل الكويت، لذا أنا اليوم مع الكويتي الحر. وتقدمنا نحو بوابة مبنى الطليعة، فاستأذنت الحارس السماح لنا بمقابلة رئيس التحرير، فأخطرنا أن المنيس غير موجود، فأقفلنا مدبرين مخلفين وراءنا مقر مجلة الطليعة في الثمانينيات مثل ما خلفته في الستينيات، لكن في ذلك الوقت بسبب إغلاق الطليعة لمدة عام كامل بقرار حكومي بسب نشرها مقالا يهاجم شركة النفط الأمريكية باستغلالها نفط البلاد”.
وليس الماضي السياسي في الكويت فقط هو الذي تبعثه زيارة باعامر لأماكن سكنه في الستينيات، بل يقفز إلى ذاكرته كذلك الماضي العاطفي والماضي السياسي الذي كان سائدا في حضرموت والجنوب حينذاك، ففي يومية 2 ابريل 1988 مساءً، يكتب: ” مرّ عليّ محمد إلى بيت الجهراء في العصر ليطمئن على صحة أبي واقترح أن نمر على الأماكن التي سكنت فيها في عقد الستينيات. كانت البداية منطقة المرقاب التي عرفت شوارعها الطويلة والعريضة والتي تكسوها الاشجار إلى درجة أنك ترى الأشياء التي لا ترى، هنا كانت توجد البقالة التي كنت آخذ منها الليمون (والداغوز) وقت الظهر للغداء عندما أكون عائدا من العمل، وأحرص ألا آخذ من أية بقالة أخرى لوجود بائعة فلسطينية سنها قريب من سني في هذه البقالة. في هذه الفترة تأتي من المدرسة فيذهب أبوها إلى البيت وتخلفه هي في البقالة. آخذ ما ابتعت وأتوجه إلى العزبة التي يوجد بها حضارم من الحامي والشحر ومن قصيعر، أنا وأحمد سعيد باعباد وعوض سالم باعباد وعمر عبود السقاف.
وقبل أن يحل المغيب ذهبنا ألى منطقة القبلة التي حللتها منذ عام 1963 إلى يوم مغادرتي الكويت وعودتي إلى حضرموت عام 1966. اخترقنا شارع فهد السالم ثم انعطفنا يمينا علِّي اهتدي إلى البيت الذي كنت أسكنه مع عددٍ من أبناء حضرموت ويافع وعدد من أبناء الجنوب العربي، وسبب وجود سكان من مختلف الجنوب في بيت واحد هو التنظيم الحزبي الذي يضمنا وهو حركة القوميين العرب بعد قيام ثورة 26 سبتمبر 1962 م وانطلاق ثورة 14 اكتوبر عام 1963م من على جبال ردفان. ومن فوق شاطئ البحر الذي يتمدد أمام منطقة القبلة من ناحية الشمال اكتشفت وجود الشارع الذي أدخله وصولا إلى البيت، لكني لم أجد سوى عمارة، وفي مكان موقع البيت هناك عمارتان كبيرتان. أطلقت اّهات وسرح ذهني إلى ما قبل اثني عشر عاما: في ليلة من عام 1962 كنا نتجاذب الحديث في بيت كنا نسكنه أنا وأحمد سعيد باعباد وربيع فرج وأبوبكر باعامر، كان يقع قريب من السوق المجاور لشارع جديد، فزارنا لبناني يدعى موسى وفلسطيني يدعى ابراهيم .. بعد التعارف تولى دفة الحديث موسى الذي تطرق فيه إلى أوضاع اليمن ما بعد 26 سبتمبر، وثورة 14 اكتوبر في الجنوب العربي والأوضاع العربية، وأشار إلى الثورات العربية والقومية العربية والزعيم عبد الناصر ومفكري الأمة ومنهم ساطع الحصري، وإلى اليسار العربي ومفكريه كالياس مرقص ومحسن ابراهيم وحركة القوميين العرب وزعيمها جورج حبش وثور 23 يوليو 1952والقرارت الاشتراكية التي اتخذها عبد الناصر. وأشار إلى حركة القوميين العرب التي غدت ناصرية واشتراكية، وقال إنه هو وابراهيم وعددا من اليمنيين أعضاء في هذه الحركة البعيدة عن الحزبية. وأخيرا طلب منا الانضمام إلى حركة القوميين العرب لخدمة الجنوب واليمن والأمة العربية عامة. وغادرنا موسى وابراهيم وقد تشبعنا سياسة وفكرا ووطنية وقربا إلى عبد الناصر وحركة القوميين العرب، وعزما أكيدا أن ننضم قريبا الى الجمهورية العربية المتحدة”.
الأحداث العامة في (اليوميات الكويتية) والعودة إلى المكلا:
ويعطي صالح باعامر، في (يومياته الكويتية)، حيزا لتغطية بعض الأحداث العامة التي وقعت في تلك الأيام التي قضاها في الكويت مرافقا لأبيه؛ ففي يومية 11 ابريل 1988 صباحا، التي يعنونها بـ(صاورخ الحسين)، مثلا، يكتب “أخبا ر اليوم: تبادلت العراق وإيران هذه الأيام ضرب المدن بالصوايخ، وأعلنت العراق أنها صنعت صاروخا أطلقت عليه اسم الحسين”. وفي يومية 15 إبريل مساء، بعنوان (أحمد في أفغانستان) يسرد باعامر اطلاعه على خبر التحاق صديقه بالمقاومة في أفغانستان، قائلا: “اتصلت بأحمد لأطمئن على حالته التي أخذت تتجه إلى طريق لا يطمئن، فرد عليّ أنه مشغول بنقاش ديني مهم بالنسبة له، وأنه لم يدر أنه كان يجهل بأمور الدين وواجباته إزاء أهله وبيته وأسرته والإسلام إلا بعد أن التقى بالشيخ أبو خالد الذي هداه إلى سواء السبيل. واثنيت على ما تفوه به، ووعدته أن أدعو له بالتزيد علما وسلوكا وطاعة لله، فرد: جزاك الله خيرا، وطلبته أن يدعو لنا بالهداية. وقبل أن نختتم مهاتفتنا، قال: أخبر أبي وامي عند ذهابك إلى حضرموت إني سأكون في افغانستان قريبا، وأنني أطلب منهما الدعاء لي بالثبات وللإسلام بالنصر. ولم أقل له سوى أن ينصح الذين سيذهب إليهم أن يكونوا أكثر اعتدالا واحتراما للآخر، وأن ينشروا دعوتهم بالبراهين والحجج. لقد فاجأني أحمد بهذا الخبر ولم أتوقع أن يصل به الأمر بالذهاب للجهاد فقلت له:
– متى ستذهب؟
– بعد بضع ساعات.
-الله معك”.
وفي يومية 20 ابريل 1988 مساء، يورد باعامر خبر اختطاف الطائرة الكويتية (الجابرية) في بانكوك الذي وقع في صباح اليوم نفسه، قائلا: “تناولتُ جريدة لبنانية بعد أن لفت نظري فيها خبر منشور عن اختطاف الطائرة الكويتية (الجابرية) في بانكوك وتوقفت في مطار لارنكا بقبرص قادمة من مشهد بإيران، وهي الآن جاثمة في مطار هواري بو مدين بالجزائر”.
ويضمن صالح باعامر يومية 1 إبريل 1988 ظهرا، بعنوان (تقرير بزوال السرطان عن أبي)، خبر شفاء والده، وكتب فيها: “ذهبت بأبي إلى مركز السرطان للمراجعة ولسماع رأي أحمد لطفي النهائي فيما وصل إليه السرطان، وكان وصولنا إلى المركز مبكرا لذا نحن أول من دخل إلى عند الدكتور الذي طلب من مساعديه أن يتولوا فحصه فحصا دقيقا. وبعد زهاء نصف ساعة أعدّ الدكتور تقريرا بزوال مرض السرطان نهائيا. فغادرنا المركز ودواخلنا ترقص وتزغرد، وقد تراءت أمامنا المكلا”.
ويكرس القاص الروائي صالح باعامر اليومية الأخيرة من يومياته الكويتية، يومية 24 ابريل 1988 مساءً، المعنونة بـ(الكويت – المكلا)، لسرد رحلة عودته وأبيه إلى مطار الريان. وخلال رحلته بالسيارة إلى مطار الكويت يتذكر رحلة عودته الأولى من الكويت إلى المكلا، وذلك على النحو الآتي: “في الواحدة ظهرا تقريبا تحرك بنا أحمد كرامة بسيارته إلى مطار الكويت الدولي، ورافقنا أيضا الأخ سعيد صالح باعامر. وفي حوالي الساعة الثانية بعد الظهر، وبينما نحن نقطع الطريق تذكرت اليوم الذي توجهت فيه إلى ميناء الكويت لأستقل باخرة (فان ربك) المبحرة إلى ميناء المكلا. في الساعة الرابعة عصرا ولجنا بوابة مطار الكويت وصففنا عفشنا خلف الذين سبقونا إلى الميزان لنزن ما معنا من حمول ودفعنا عشرة دنانير كويتية مقابل الوزن الزائد، وبعد أن تأكد الموظف من أن الطائرة ستقلع إلى مطار الريان بالمكلا، سمح لنا بدخول صالات الانتظار في المطار، واتخذت أنا وأبي مقعدين في الصالة الأخيرة التي منها سنستقل الباص الذي سيتوجه بنا إلى الطائرة، وبعد ساعة من الانتظار تناهت لي دمدمتها استعدادا للإقلاع. وركبنا طائرة اليمدا التي أقلعت في الساعة الرابعة والنصف بعد العصر، وانغمست وسط السحب الكثيفة التي تتلون بتلون لون الشمس والهواء وحالتنا النفسية ممتزجة بالترقب والتوتر والقلق والاهتزاز بسبب المطبات الهوائية، ومراقبة المصباح المعلق فوق الباب الذي يفصل بين الركاب ومقصورة طاقم الطائرة، ونظراتنا ولفتاتنا للمضيفين والمضيفات الذين يمرون أمامنا يتأكدون من وضع الركاب والمقاعد أو يلبون طلباتنا. وكنت أنظر إلى أبي الذي أراه نائما أو متفكرا أو ناظرا إليَّ، مستفسرا عن شيء ما لا أدريه”.