شارك الخبر
عيدروس نصر
الفصل السادس
مقهاية الشجرة، وما أدراك ما مقهاية الشجرة!
ومن من أبناء الشيخ عثمان بل وكل عدن من المقيمين فيها أو الوافدين أو المارين بها أو الراحلين منها لا يتذكر هذا الاسم ؟ . . إنها حميمية المكان وبهجته ودهشة الموقع وحنينه وتنفسه وعمليات الأيض في جسده الحي، إنها روح الشيخ عثمان وعدن ولحمها ودمها، وملخص كينونتها وصيرورتها الأبديتين.
مقهاية الشجرة ليست فقط مكاناً لتناول الشاي والقهوة والجلوس على الكرسي ورصد حركات المارة وقراءة الجريدة، أو لعب الدومنو والكيرم والكوتشينة (التٌّرُب أو الباصرة) وغيرها، ولا الاستماع إلى المذياع وهو يردد الأغاني الصباحية ويترنم بصوت فنان عدن الكبير أحمد قاسم وهو يردد رائعته:
” صدفة التقينا على الساحل ولا في حد
صدفة بلا ميعاد جمع الهوى قلبين ”
أو محمد سعد عبد الله وهو يردد:
“ردوا حبيبي وروحي
يا ناس لا تحرموني
با فيض من كثر نوحي
وانتو ولا ترحموني”
أو العطروش وهو يردد:
“شي حلّال
في معزوب
أبو منصور
أو راحوا
وخلوا الطين
ذا مهجور”
أو محمد مرشد ناجي يلهب حماس المتابعين بترنيم:
“يا بلادي، يا نداءً هادراً يعصف بي
يا بلادي يا ثرى إبني وجدي وأبي”
. . . إنها ليست كل هذا، بل أكثر من كل هذا بكثير.
في مقهاية الشجرة يلتقي الأصدقاء مع أصدقائهم والأحباب بأحبابهم، وفيها يتعارف الناس مع بعضهم، وهناك يتنفس المكانُ السياسةَ والأدبَ والثقافةَ والمعرفةَ، والهم النقابي والمجتمعي، . . . إنه المكان بما فيه من حميمية وحنين ومشاعر وأحاسيس وتفاعل نفسي وروحي وعقلي وعاطفي.
في مقهاية الشجرة يجلس السياسيون ويدخلون في جدل الهم الوطني وثنائيات الاستعمار والاستقلال، . . .الثورة المسلحة والمواجهة السلمية، . . . والنقابي والسياسي. . يتشاجرون ويتنازعون لكنهم ينصرفون متعانقين ومبتسمين متداعبين ومتفقين على مواصلة الاختلاف في اللقاء القادم.
وهناك يلتقي المثقفون والأدباء والنقاد ويدخلون في جدل الواقعية والرومانسية بل والكلاسيكية الجديدة، ويستعرضون آخر ما أنتجته السينما العربية والعالمية وآخر الإصدارات الأدبية الشعرية والروائية والقصصية، وآخر التناولات النقدية، ينتقد أحدهم قصيدة الأطلال للطبيب إبراهيم ناجي فيدافع عنها آخر بل ويغنيها ثالث بصوت كوكب الشرق السيدة أم كلثوم متحديا الناقد بينما ينصت كل الحاضرين:
– “يا حبيبي كل شيءٍ بقضاء
ما بأيدينا خُلِقنا تُعساء
ربما تجمــــــعنا أقدارنا
ذات يوم بعد ما عزَّ اللقاء”
ثم يواصل التحدي:
– ائتني ببديل لهذه الرائعة الشعرية أو نص بمستواها وسأوافقك ما تقول.
فينبري رابع مردداً:
– جئت لا أدري من أين ولكني أتيتُ
ولقد أبصرتُ قدامي طريقا فمشيتُ
وسأبقى سائراً إن شئت هذا أم أبيتُ
كيف جئتُ؟ كيف أبصرت طريقي؟
لست أدري
ـ يا أخي هذا إيليا أبو ماضي ينتمي إلى مدرسة الفلسفة “اللاأدرية” التي كان اليونانيون يسمونها ” أغنوستيسيزم” “Agnosticism” والتي تعني لا أدري، ولعلك تلاحظ ما في النص من نزعة إلحادية.
– نحن لسنا معنيين بإلحاده وإيمانه، ولا بأدريته أو لا أدريته، نحن معنيون بإبداعه وشعره الفلسفي وعمق معاني النص أما هو “فإن شاء فليؤمن وإن شاء فليكفر”
– الآية تقول” ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”، وليس “وإن شاء”، يستدرك أحدهم.
– أنا لا أقرأ آيات قرآنية، أنا أحدثك عن تصوري عن الطريقة التي عبر بها صاحب النص عما يعتقد به وعلى العموم مهما قلنا في صاحب هذا النص العبقري فلن ننقص من قيمته أو مكانته الأدبية العالمية ويكفي أن فلسفته تقوم على البيت التالي:
أيهذا الشاكي وما بك داءً
كن جميلا ترى الوجودَ جميلا
وينهي حديثه
– إذا كنت غلطان راجعوني يا زملاء!!
وهكذا تبوح مقهاية الشجرة بما في أعماق مرتاديها وما في هواجسهم وتوجهاتهم وقناعاتهم الفكرية والسياسية والاعتقادية واهتماماتهم الأدبية والثقافية والفنية والدينية والفلسفية، وتظل تقوم بدورها وكأنها مدرسة تنويرية من مدارس الفكر والثقافة والأدب والسياسة الحديثة أعواماً تليها أعوامٌ وعقوداً تليها عقودْ.