شارك الخبر
ـــــــــــــــــــــــــــــــ عيدروس نصر
كان ذلك في العام 1976م حينما كنت طالباً في دار المعلمين بمحافظة أبين الذي كان جزءاً من المدرسة الثانوية بزنجبار، كانت لدى المدرسة الثانوية عيادة صحية بها مساعد طبيب وحيد للتعامل مع الحالات الطفيفة، ولم يكن بإمكان أي طالب أو طالبة الذهاب لتلقي العلاج في المستشفى إلَّا بتحويل من أخينا مساعد الطبيب.
كنت ذات يوم من ذلك العام محتاجاً لمقابلة الطبيب في مستشفى الشهيد ناجي بمدينة المخزن التي تبعد عن المدرسة الثانوية بحوالي عشرة كيلومترات، وقد حصلت على ورقة تحويل إلى المستشفى، وكان الانتقال إلى هناك رحلةً صعبةً لطالب ثانوي لا يمتلك أجرة التاكسي التي لا تقل عن خمسين فلساً (أي شلن واحد) فقررت اتباع ما نسميه (التعبّار) وهي عادة اعتمدناها لسنوات للتنقل بين المدن والمحافظات، وتعني أن تقف على قارعة الطريق لانتظار سيارة حكومية أو أي سيارة نقل ثقيلة لنقل مواد (غذائية أو حضار أو مواد بناء) وغيرها لتصل بها إلى غايتك، وطال بي الانتظار.
كنت على مقربة من المدرسة الإعدادية التي تحولت فيما بعد إلى دار معلمين، وكانت تقع على مدخل المدينة في ذلك الزمان، حينما وقفت أمامي على الجانب الآخر من الطريق سيارة شاص غبراء عليها سائق وراكبان ، ووقف السائق يسألني:
هل شفت الأخ الرئيس؟
قلت له أي رئيس؟
قال : الرئيس سالمين.
أجبته : لا والله لم أره.
وكان أحد العمال في المدرسة الإعدادية قادماً، من اتجاه المدرسة، وحينما سمع حديثنا، توجه بالسؤال للجماعة في السيارة الشاص: انتم تدورون على سالمين؟
قالوا: نعم هل رأيته؟
قال لهم: أيوه، هو هنا داخل الاعدادية.
حينها قررت تأجيل ذهابي إلى الطبيب ودخلت لأستمع إلى الرئيس الذي أضاعه مرافقوه، وربما تعمد الهروب عليهم، فقد كان يسوق سيارته اللاند روفر المكشوفة لنفسه.
استمعت إليه وهو يتحدث إلى التلاميذ عن أهمية التعليم والمستقبل الذي ينتظرهم، وتحديات بناء الوطن الجديد والرهان عليهم في هذه المهمة الوطنية الكبيرة.
كما استمعت إلى التلاميذ وهو يشرحون له معاناتهم في القسم الداخلي من عدم تنوع التغذية، وأن وجبة الغداء تقتصر على الرز والسمك، وما فيش تنوع في الغذاء من اللحم والدجاج إلا مرة في الأسبوع وإن وجبتي الفطار والعشاء محصورة بين البيض والفاصولية والفول.
كما اشتكى بعضهم من طول الفترة الزمنية لتغسيل الملابس، حيث إن (الدوبي) أي الرجل الذي يتولى مهمة تغسيل وكوي ملابس طلاب القسم الداخلي لا يأخذ الملابس إلا مرة في الإسبوع.
لم أخرج من اللقاء إلا بعد مغادرة الرئيس، ومن حسن حظي وجدت السيارة التي أوصلتني إلى المستشفى ومقابلة الطبيب والحصول على العلاج المطلوب.
رحم الله الرئيس الشهيد سالم ربيع علي (سالمين) وأسكنه فسيح جناته.