شارك الخبر
بجهود ذاتية وتحد كبير
********************
الشيء بالشيء يُذكر وموقف يهيج ذكرى، ورعى اللهُ الزمن الجميل.
كنا نذهب إلى مدارسنا بنشاطٍ منقطع النظير في كل المحافظات بعد أن نتناول الإفطار على صوت العطروش من إذاعة عدن:
(بالله أعطني من دهلك سبولة وشارح)
أو بصوت محمد عبده زيدي:
( يافلاحين يازارعين في الأرض ثمرات الكفاح، في الأرض هذي أرضكم منها دعا داعي الكفاح)، تذكرتُ ذلك وأنا متهيء للتوجه إلى أبين قلب الوطن الجريح، أرض الكفاح، وسلة الغذاء والمشتل الكبير، وأرض الفن والفل والزهور.
الخميس الثالث عشر من رمضان 1446هجرية الموافق 13 مارس 2205م ، وبعد أن وُجهت لي دعوة كريمة من أخي د. محمد الخاشعة مدير مركز الكود للأبحاث الزراعية لحضور فعالية( اليوم الحقلي) الذي تم فيه تدشين اتفاقية الشراكة بين مركز الكود للأبحاث الزراعية م/ أبين وشركة (جنة سيدز) لعمل تجارب مقارن لعدد من الهجن محلية الآباء والأمهات لمحصول الذرة الشامية والفلفل الحار.
وعلى الرغم من جو الصيام إلا أنها كانت رحلة ممتعة، حيث انطلقنا من عدن عند السابعة صباحا وقد اسبلت الشمس أشعتها الذهبية وكانت الطريق سالكة خالية من الازدحام تبادلنا فيها أطراف الحديث، وتذكرنا الأغنيات الجميلة التي ذكرناها في مستهل هذا التقرير، حيث صادف أن تكون الزميلة الدكتورة مها عبدالله ناجي ابنة شاعر الكلمات السابقة: (يافلاحين يازارعين) معنا على متن السيارة التي أقلتنا إلى مركز الكود، لحيث وهي إحدى كادرات هذا المركز، والدكتور البشوش عبدالله المفلحي وأنا ومدير المركز د. محمد الخاشعة.
سرنا في طريقنا مستمتعين بالجو الصباحي الجميل الذي لم يعكر صفوه غير مرورنا بالمكان الذي حصل فيه حادث للزميلين الخاشعة والمفلحي قبل سنوات، حيث احتكت بهما مدرعة تابعة لقائد بحجم وطن، ورمت بهما بعيدا عن الخط بسيارتهما تعرض فيه الدكتور المفلحي لإصابات بليغة شارف فيها على الموت، ولم يكلف نفسه من كان سببا في الحادث حتى الوقوف أو إسعافهما، فضلا عن تحمل تكاليف علاجهما أو إصلاح السيارة وإلى الله المشتكى.
مركز الكود….النشأة والأقسام.
*********
مركز الكود للبحوث
الزراعية في محافظة أبين هو مركز بحثي زراعي يهدف إلى تحسين الإنتاج الزراعي وتطوير الأساليب الزراعية الحديثة في المنطقة. وقد تأسس المركز عام 1955م، ويعد من أقدم المراكز البحثية على مستوى الجزيرة والخليج ¹.
يضم المركز عدة أقسام رئيسية هي:
– *قسم المحاصيل الحقلية*: ويختص ببحث وتطوير محاصيل الحقول مثل القمح والشعير والذرة.
– *قسم التربة والري*: يختص ببحث وتحسين خصوبة التربة وطرق استخدامها بشكل فعال.
– *قسم وقاية النبات*: يختص ببحث ودراسة الحشرات التي تؤثر على المحاصيل الزراعية.
– *قسم المحاصيل البستانية*: يختص ببحث وتطوير أساليب زراعة البساتين والفواكه.
*وقسم الغابات والمراعي*
حيث يقوم بالحفاظ على الأنواع النباتية بعدة طرق منها الحديقة النباتية والمعاشب، كما يقوم المختصون بعملية التصنيف النباتي ووضع الخطط لإقامة المحميات النباتية والحفاظ عليها.
*قسم المكنة الزراعية:
ويدرس طرق الحراثة وتصميم المعدات الزراعية .
*قسم الاقتصاد الزراعي:
ويهتم بالتقييم الاقتصادي لمخرجات البحوث الزراعية.
كما يقوم المركز بتدريب الباحثين والفنيين في مجال البحث الزراعي وتقديم الدعم الفني للمزارعين في المنطقة .
مركز الكود وحرب 94م المشؤومة:
مثل غيره من المرافق والمؤسسات تعرض مركز الكود للأبحاث الزراعية للتدمير والنهب بعد حرب 94م ، حيث وصل الأمر بيحيى الراعي محافظ أبين المعين أنذاك من نظام عفاش الهالك إلى نهب كل شيء، حتى الأبقار تم نقلها إلى ذمار، بل قيل أنه نقل حتى أكوام الحطب من أبين إلى ذمار.
مرَّ المركز بأزمة كبيرة بعد أحداث 2011 التي دمرت معظم البنى التحتية للمركز بما فيها الآلات والمعدات والمختبرات والمعامل والمكتبة والأقسام الفنية والإدارية.
في عام 2024، تم إعادة تشغيل مختبرات المركز بعد توقف دام عشر سنوات نتيجة للحروب التي شهدتها محافظة أبين .
الموظفون وجهود الإدارات ووزارة الزراعة:
*******************
يبلغ عدد الموظفين بشكل رسمي 104 موظف منهم باحثين بشهادة دكتوراه وماجستير بالإضافة إلى فنيين وعمال نسبة التقاعد فيهم 90%
وعمال أجر يومي متعاقدين يستلمون رواتب من المالية بعدد 48 مضى على تعاقدهم من 15 سنة، تتراوح رواتبهم من 25000 إلى 50000.
ويتراوح مبلغهم التعاقدي 1.5مليون.
بالإضافة إلى تعاقدات أخرى من قبل إدارة المحطة بالأجر اليومي.
*الرواتب غير منتظمة :
من أبرز الصعوبات التي يواجهها المركز أن رواتب الموظفين أصبحت غير منتظمة في الآوانة الأخيرة، وقد ظلت منقطعة لعدة أشهر على الرغم من كفاح الإدارة ودفاعها عن أراضي وممتلكات المركز وأراضيه في زمن لم يعد فيه وجود لمزارع ومراكز عامة تابعة للدولة ، كما أن المركز بدون موازنة تشغيلية، ضف إلى ذلك معاناة المتعاقدين وعدم توظيفهم.
حصل للمركز تدمير أثناء اجتياح القاعدة لأبين أيضا حيث تم تدمير كل البنية التحتية والمختبرات والمعامل والمكتبة والأقسام الفنية ونهبت بعض أجزاء من المزرعة أثناء الانفلات الأمني الذي حصل بعد 2011 ، أما أثناء حرب الحوثي فلم يدخل الحوثي إلى الكود.
بعد هذا التدمير عمل الدكتور خضر بلم عطروش الذي كان مديرا للمركز مناشدة لكل المنظمات الدولية وتحصلت المحطة البحثية الكود على عدد من الأجهزة المختبرية لتحاليل التربة والمياه والأمراض في سنة 2012.
وظلت حبيسة المخازن لما يزيد عن عشر سنوات بسبب عدم تجهيز المختبرات وعدم وجود
تيار كهربائي مستمر .
استلم إدارة المركز الدكتور محمد الخاشعة في أكتوبر 2017م ، واستمات في الدفاع عن المركز ومابقي منه وفي
سنة 2024 تم تجهيز المختبرات من حيث إعداد البنشات والتسليك الكهربائي وسباكة المياه وتم الاستعانة بخبرات من الكوادر الخارجية لتشغيلها وكان على رأس ذلك الأخ المهندس خالد صالح عون الذي بذل جهداً كبيراً ، وكذلك الأخوة في مؤسسة الفلاح من خلال إرسال المهندس الباكستاني محمد ارشد وتعاونهم المستمر حتى رأت كل الأجهزة النور وأصبحت المختبرات جاهزة وشغالة مع تأهيل كادر محلي من الشباب للعمل على تلك الأجهزة وكل ذلك على نفقة المحطة البحثية الكود التي تحملت ديون لأكثر من ثلاثين مليون بالاستعانة بعدد من الخيرين الذين كانوا إلى جانبنا في التشغيل.
ولا يزال العمل مستمرا والمتابعة مستمرة لتشغيل جهاز البصمة الوراثية واستكمال المواد الكيماوية الناقصة وبعد الأدوات.
جهود وزارة الزراعة
****************
*من الأمور التي تشكر عليها وزارة الزراعة:
1-توفير طاقة شمسية لعدد بئرين .
2-قبل تركيب الطاقة الشمسية وفرت دعم شهري بمبلغ مالي 1.5 مليون لمدة سنة.
3-توفير باص مواصلات للعمال مع توفير سيارة هايلكس أيضاً.
اتفاقية شراكة بين المركز وشركة جنة سيدز:
*******
في يوم الخميس الموافق 13 مارس 2025 تم تدشين العمل بأول خطوات هذه الاتفاقية بإجراء تجارب مقارن لعدد من الهجن محلية الآباء والأمهات لمحصول الذرة الشامية والفلفل الحار لشركة (جنة سيدز) في محطة الكود للبحوث الزراعية أبين
حيث يعد اختيار مركز الأبحاث في الكود و تحديده كوجهة رئيسة لعقد شراكة في القطاع الزراعي من قبل شركة (جنة سيدز) إنجازا كبيرا لدخول القطاع الخاص في جانب الاستثمار الزراعي المحلي وخاصة أن هذه الشركة اعتمدت على خبرات محلية في تربية النبات للحصول على هجن ذات إنتاجية عالية تم الحصول عليها من آباء محلية وهذا في حد ذاته إنجازا كبيرا بالإضافة إلى اعتمادها على تقييم المراكز البحثية ، جاءت بعد إعادة تأهيله و إدخال عدد من التقنيات الحديثة ، و بدء العمل بها في عدة أقسام ، و تزويدها بمختبرات خاصة بإجراء البحوث العلمية للتربة و النباتات إلى جانب المختبر الخاص بنحل العسل.
جولة ختامية ممزوجة بالدموع… والتمنيات
****************
بعد تدشين اليوم الحقلي بين ممثلي (شركة جنة سيدز ) وإدارة محطة الكود والحاضرين صعدتُ على متن السيارة مع الدكتور الخاشعة مدير المركز لألقي نظرةً على حدود المركز والأرض التابعة له والآبار أيضا، فرأيت أولا أن جزءاً من الأرض التابعة للمركز تم قضمها والاستيلاء عليها في فترات الحروب والانفلات الأمني، وجزء منها لازالت منظورة أمام المحاكم.
وأما المشهد الثاني فكان إنسانيا حزينا التقطته من فوق حاجز ترابي أو مايسمى ب (السوم) تحت ظل شجرة، حيث شعرتُ برغبة في ذرف الدموع وأنا أنظر لمجموعة نسوة وهن يقطفن ثمار نبات القطن، ويشكون بحسرة أنهن لايتقاضين إلا 25 ألفا وهو مبلغ تعاقدي وليس راتبا رسميا. وفي جانب آخر مجموعة من الرجال أرباب الجباه السمر يحصدون ثمار منتوج الموز ووجدتني أردد مرة أخرى الأغنية الشهيرة:
(يافلاحين يازارعين في الأرض ثمرات الكفاح ، في الأرض هذي أرضكم، منها دعا داعي الكفاح )
وهي كلمات للشاعر عبدالله ناصر ناجي كما أسلفت الذي كانت ابنته الدكتورة مها عبدالله ناصر ناجي معنا في السيارة ذاتها التي أقلتنا من عدن أنا وزميلي الدكتور محمد الخاشعة مدير مركز الكود للأبحاث الزراعية والأخ العزيز طيب القلب بشوش الوجه الدكتور عبدالله المفلحي.
شعرتُ بالأسى وأنا أرى هؤلاء المخلصين الغلابى البائسين يجنون ثمار القطن ووجوههم تكسوها الحاجة والمعاناة، وتذكرت تلك المرافق والمزارع والتعاونيات التي تم القضاء عليها في عموم الجنوب ونهبها بعد حرب 94 م المشؤومة، وبقي شيئا من مركز بحوث الكود الذي أظنه بالولد اليتيم الأخير.
يقف اليوم الزميل العزيز المخلص د. محمد الخاشعة منافحا ومكافحا عن آخر ماتبقى من أراض زراعية تتبع هذا المرفق الذي يعد أول مراكز البحث في مجال الزراعة والري والأغذية في الجزيرة والخليج.
يقف الدكتور الخاشعة على رأس هذه المحطة الزراعية وخلفه هؤلاء الموظفين المخلصين، يقف وسهام الفوضى والاستهدافات تتعاوره من كل جانب، ولهاث الناهبين والمتعطشين لنهب واقتضام الأرض تخلق أمامه العثرات، وتخلق له في كل لحظة مشكلة في آخر مرفق من المرافق العامة التي بقي رمزا لزمن الشغيلة والكادحين ولدولة الفقراء، وللرئيس سالم ربيع علي وغيره من قادة الدولة الذين ثبتوا دعائم هذه المرافق.
ليس هذا فحسب، لكن العقول النابغة في هذا المرفق من حملة الماجستير والدكتوراة وغيرهم تجازيهم الحكومة ممثلة بوزارتي المالية والخدمة المدنية بتوقيف رواتب الموظفين لمدة ستة أشهر ويزيد. بدلا من دعمهم والحفاظ على هذا المرفق الزراعي التاريخي الذي يحكي لنا مجد دولة كان عمادها ومصدر كفاحها هم الفقراء ، والسعي لتثبيت المتعاقدين من البسطاء البائسين الذين لفحت وجوههم أشعة الشمس الحارقة.
عدنا واتجهنا إلى عدن وكلنا تمنيات أن تصغي الحكومة لمتطلبات إدارة المركز التي حافظت على كل هذا في زمن النهب والمصالح الشخصية الضيقة.
إعداد د. علي غالب حسن الصبيحي.