شارك الخبر
في زاوية هادئة بجوار حوش منزل متواضع في مدينة إب الجميلة وسط اليمن ، كان ياسر أحمد صالح البكار، رجل ستيني، يجلس يتناول وجبة بسيطة مع ابنه عمار. قطعة خبز يابسة وقليل من الزبادي كانت كل ما تيسر لهما في ذلك اليوم.
عمار، ذو العينين البريئتين، كان يحتضن زجاجة الحليب الصغيرة، يرشف منها بين الحين والآخر، بينما يراقب والده. ربما كان يرى في عينيه تعباً عميقاً لم يفهمه بعد.
كانت الشمس تلقي بضوء ذهبي خافت على المكان. ياسر، الأب لأربعة أطفال، كان يعاني من أمراض عدة أضنت جسده، لكنه كان يخرج الي شوارع المدينة كل يوم بحثاً عن الرزق وما تجود به الأنفس الطبلة ، أملاً في توفير لقمة العيش لأسرته التي تعيش ظروفاً مادية قاسية.
في يده كانت لا تزال بقايا الرغيف، وعلى الأرض أمامه كان وعاء الزبادي وقارورة ماء، ربما جادت بها نفس طيبة عليه ليقيه جوع ذلك اليوم.
فجأة حركة ياسر توقفت . انحنى رأسه قليلاً، وتوقفت يده عن حمل الرغيف.ولده عمار ، الذي لم يتجاوز بضع سنوات، نظر إلى أبيه باستغراب، ربما ظن أنه غفا قليلاً. استمر في شرب حليبه، وعيناه مثبتتان على وجه والده الشاحب. لم
يكن يعلم أن الموت قد اختطف أباه في تلك اللحظة الهادئة، تاركاً إياه وحيداً في مواجهة قسوة الحياة.
وما هي الا دقائق َمعدودة ، حتى اكتشف الجيران الفاجعة، وجدوا ياسر وقد فارق الحياة، وفي يده قطعة الخبز، بينما كان ولده عمار لا يزال جالساً بجانبه، ينظر إليه بعينين خاليتين من الفهم، وكأنه ينتظر أن يستيقظ والده من نومه الطويل.
انتشر الخبر في أرجاء المحجر، شعب يافع بريف إب، وخيم الحزن على المكان. زوجة ياسر، أكدت معاناتهم من ضيق ذات اليد، لتغرق في بحر من الحزن، فهي تدرك حجم الفقد الذي حل بهم. إذ كيف ستواجه الحياة بمفردها مع أربعة أطفال، وقد رحل سندها ومعيلهم الوحيد؟
موت ياسر في الشارع، حاملاً قطعة خبز لم يتمكن من أكلها، هو صرخة صامتة تدوي في سماء اليمن، تستنجد بالإنسانية، وتطالب بوقف هذه الحرب اللعينة التي تحصد أرواح الأبرياء وتترك خلفها قلوباً مفطورة وأطفالاً أيتاماً. عسى أن تكون هذه الفاجعة نقطة تحول، وبداية لعهد جديد من السلام والاستقرار في هذا البلد المنكوب.
عبد القوي شعلان