شارك الخبر
بسم الله الرحمن الرحيم
ربما لا يروق طرق هذا الموضوع لأصحاب مقولات “اليمن الواحد والتاريخ الواحد” و”عاد الفرع إلى الأصل” و”الوحدة أو الموت” ولمن يكفّرون شعب الجنوب العربي ويصفونه بأنهم بقايا أحباش وهنود وباكستانيين وصوماليين جلبتهم بريطانيا أثناء احتلالها للجنوب اليمني وهو خطاب رسمي وشعبي لا يزال اليمنيون يعتقدونه حتى اليوم، وبموجبه تُلغى هوية وتاريخ وثقافة شعب كامل، وتُنهب أرضه، وهذا أمر مشهود منذ احتلال الجنوب1994م
لكن، في البدء، لا بد من إعطاء لمحة مقتضبة لتوضيح ما إذا كان شعب الجنوب العربي ينتسب إلى اليمن ، فقد جاء في كتاب المؤرخ حمزة علي لقمان المحامي: ( معارك حاسمة، صنعاء 1984م ) أن ما يُسمّى اليوم باليمن الشمالي واليمن الجنوبي معروف منذ ما قبل التاريخ وسنورد بإيجاز ما يلي:
مع ظهور الدعوة المحمدية، قُسّمت الجزيرة العربية إلى ثلاث مناطق جغرافية: الشام، ونجد، واليمن.
(أ) الشام وتشمل ما يُسمّى اليوم سورية ولبنان وفلسطين والأردن وجزءًا من العراق.
(ب) نجد والحجاز (وسط الجزيرة العربية) وتشمل ما يُسمى اليوم السعودية وقطر والبحرين.
(ج) اليمن: المنطقة الجنوبية الثلث الجنوبي من جزيرة العرب، وتشمل ما يُسمّى اليوم عُمان واليمن.
واليمن منطقة جغرافية مثل بلاد الشام والمغرب العربي، التي تشمل الجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا والمغرب.
المملكة المغربية لا تدّعي ان تلك الدول تتبعها او تنتسب إليها، كما يدّعي اليمنيون أن الجنوب العربي هو الجنوب اليمني، أي أنه جزء تابع لليمن تاريخيًا، وأن تسمية الجنوب العربي تسمية بريطانية. بل ويَدّعون أن بعض المناطق والبلدان الاخرى يمنية، ولهم مقولة: “مَن ما هو يمني ما عربي”.
خضع اليمن للوجود الحبشي 320 سنة قبل الميلاد، وامتد 140 سنة بعد الميلاد، ثم جاء الفرس فطردوا الأحباش وحكموا اليمن قرونًا.
ومع ظهور الدعوة المحمدية أسلم الحاكم الفارسي لليمن (باذان)، فالتحقت اليمن كسائر الأمصار بمراكز الخلافة الإسلامية: في المدينة ودمشق وبغداد ومصر واسطنبول.
وفي سنة 1538م وصل العثمانيون إلى اليمن، وبعد سلسلة حروب طويلة مع القبائل، استقل أبناء المشرق، الجنوب العربي عنهم وأنشؤوا السلطنات والإمارات والمشيخات، مثل السلطنة الكثيرية (تأسست قبل 1400م) والعبدلية (1728م) والمهرية والواحدية، والفضلية والقعيطية، وغيرها..
وخلال الفترة العثمانية وما قبلها، لم تكن هناك روابط بين ما يُسمى بالشمال والجنوب، سواء تاريخية أو اجتماعية أو ثقافية أو اقتصادية أو تجارية أو قبلية، بخلاف الروابط الوثيقة بين المناطق الجنوبية نفسها، إذ كانت شبوة عاصمة حضرموت تمتد سلطتها إلى كافة المناطق الجنوبية العربية.
وبعد اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح نقل الأتراك مركزهم العسكري والسياسي من صنعاء إلى تهامة لحراسة الأماكن المقدسة من التغلغل الأوروبي في المنطقة.
وخلال هذه الفترة استطاع الإمام المتوكل على الله إسماعيل بن القاسم غزو المناطق الجنوبية من عدن إلى حضرموت.
وبعد عدة سنوات اجتمع في يافع السلاطين: العفيفي، وبن هرهرة، والكثيري، والعولقي، والبيضاني، والأمراء والمشايخ، وتم طرد الأئمة من بلادهم.
وفي 19 يناير 1839م احتلت بريطانيا عدن، ولم تعترض تركيا ولا محمد علي باشا في مصر.
ولحماية عدن عقدت بريطانيا سلسلة من المعاهدات والاتفاقيات مع حكام المنطقة المستقلين عن تركيا، وأطلقت عليها اسم عدن ومحمياتها الشرقية والغربية.
وبعد افتتاح قناة السويس سنة 1869م ازدادت أهمية المنطقة، مما دعا تركيا للمطالبة بالسيادة الاسمية عليها، لكن بريطانيا رفضت وتمسكت باتفاقياتها مع حكام المنطقة (1839–1872م).
وفي 9 مارس 1914م وُقّعت المعاهدة الإنجلو/عثمانية، وبموجبها تقاسمت الإمبراطوريتان مناطق النفوذ في الجزيرة العربية.
وعلى إثر هزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولى وانسحابها من المنطقة، أعلن الإمام يحيى حميد الدين في 16 نوفمبر 1918م إقامة أول كيان سياسي في اليمن باسم المملكة المتوكلية الهاشمية، ثم عدّل التسمية في 22 ديسمبر 1918م إلى المملكة المتوكلية اليمانية (وليس اليمنية)، لأن اليمانية تعني الجنوبية أيضًا في اللغة. ولم يكن في خلده غير ذلك.
وفي سنة 1925م عقد أبناء حضرموت مؤتمرهم في إندونيسيا تحت شعار الجنوب العربي.
وفي 11 فبراير 1934م عُقدت اتفاقية بين بريطانيا والإمام يحيى، اعترف بموجبها بالحدود القائمة بين البلدين، كما اعترفت بريطانيا بالإمام يحيى ملكًا على اليمن.
وفي 1 أبريل 1937م نقلت بريطانيا تبعية عدن من الحكومة البريطانية في الهند إلى حكومة لندن.
وفي عام 1935م أصدر المقيم السامي البريطاني في عدن، السير رايلي، كتابًا بعنوان الجنوب العربي.
وفي عام 1945م تطلع سلطان لحج العبدلي إلى تزعم إقامة دولة الجنوب العربي.
وفي العام 1949م افتتحت مفوضية لليمن في لندن.
وفي عام 1956م قام السير هيكم بوتان، المقيم السياسي البريطاني في عدن وعرّاب توحيد الجنوب العربي (وليست الجبهة القومية كما يُزعم) بعقد اجتماع في الضالع بزعماء المحميات الغربية بهدف توحيدهم، وكذلك عقد المستشار السياسي إنجرامس في حضرموت لقاءً مع سلاطين حضرموت والمهرة والواحدي في المحميات الشرقية.
وفي 11 فبراير 1959م شكّلت بريطانيا حكومة اتحاد إمارات الجنوب العربي تمهيدًا لانسحابها.
وفي 11 فبراير 1962م أعلنت بريطانيا عن منح الجنوب العربي الاستقلال بما لا يتجاوز 9 يناير 1968م.
وفي 13 أكتوبر 1963م قُتل الشهيد الشيخ راجح بن غالب لبوزة على يد الجيش العربي بعد رفضه رفع الجمرك بين القبائل، إذ كانت سياسة بريطانيا تقوم على توحيد الجنوب العربي، وليست الجبهة القومية كما يُزعم.
وفي 14 أكتوبر 1963م أعلنت الجبهة القومية قيام ثورة 14 أكتوبر من قمم جبال ردفان الشمّاء، وتشير بعض المصادر إلى أن الجبهة القومية أعلنت ذلك في 14 أكتوبر 1964م، أي بعد عام من استشهاد لبوزة.
وفي عام 1966م فشل اجتماع لندن بين الحكومة البريطانية وحكومة عدن وسلاطين وأمراء ومشايخ الجنوب العربي، بسبب رفضهم إقامة قاعدة عسكرية بريطانية بعدن عقب انسحابها.
وفي 15 نوفمبر 1967م سحبت بريطانيا اعترافها بحكومة الجنوب العربي، واعترفت بالجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني المحتل.
وفي 30 نوفمبر 1967م سلّمت بريطانيا استقلال الجنوب العربي للجبهة القومية، وأعلنت الأخيرة قيام جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية.
وفي 22 مايو 1990م ألغى الحزب الاشتراكي اليمني دولة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وضمها إلى “اللادولة”، وبذلك ضاعت دولة (ج.ي.د.ش)، فلا هي اتحدت مع دولة، ولا هي استمرت كدولة.
وفي 27 أبريل 1994م أعلن الرئيس علي عبدالله صالح الحرب على شريكه في الوحدة وتم تصفية دولة (ج.ي.د.ش).
وفي 21 سبتمبر 2014م وُقّع اتفاق السلم والشراكة الوطنية بين الرئيس عبد ربه منصور هادي ورئيس اللجنة الثورية لانصار الله صالح الصماد، وبموجبه استعاد أنصار الله الجمهورية العربية اليمنية. ولم يكن انقلابًا.
الخلاصة:
من خلال هذا الموجز يتضح أنه لم تكن هناك أية ارتباطات أو صلات بين شعب الشمال اليمني وشعب الجنوب العربي، سواء تاريخية أو جغرافية أو اجتماعية أو ثقافية أو سياسية أو اقتصادية أو تجارية أو نفسية أو غيرها.
وبالمحصلة نتساءل عن مصداقية المزاعم التي يرددها اليمنيون: “اليمن الواحد”، و”التاريخ الواحد”، و”الثورة الواحدة”، و”الوحدة اليمنية مصير وقدر الشعب اليمني”، إلى غير ذلك من الهرطقات الطوباوية غير الصحيحة.
وهذا الوضع لم يتغير منذ فجر التاريخ، حتى استلم الأرجوازات الرفاق الطرشان بالزفّة استقلال الجنوب العربي من بريطانيا في 30 نوفمبر 1967م، حيث تعمّدت بريطانيا أن تسلّمهم الاستقلال ليقضوا على كل ما بنته خلال استعمارها الذي دام 129 سنة، وهذا ما حققه الرفاق الماركسيون الشيوعيون بامتياز، معتقدين أنهم سيحكمون بدلًا عن حكام الجنوب المنتخبون من شعبهم.
ونتيجة لتلك العوامل، ولثقافة الرفاق الشيوعية ، ولاختلاف الثقافتين بين الشعبين، اندلعت حروب متواصلة منذ ما قبل الاستقلال حتى يومنا هذا.
ومن لديه وثيقة تثبت عكس ما قلناه فليُظهرها وإن كانت واهية.
وبالمحصلة: لماذا لا نستعيد دولتنا (ج.ي.د.ش) وهويتنا، بعد انتهاء الجمهورية اليمنية؟
والله من وراء القصد
د. صالح الوالي
27 أغسطس 2025م