شارك الخبر
————
فاروق قاسم المفلحي، سليل بيت المشيخة في مكتب المفلحي بيافع، وابن آخر شيوخ المكتب الشيخ قاسم عبد الرحمن المفلحي، طيب الله ثراه، ليس مجرد اسم مرتبط بتاريخ اجتماعي عريق، بل هو قامة فكرية وأدبية وإنسانية شامخة، جمعت بين الإرث والمكانة من جهة، وبين التواضع والخلق الرفيع والإبداع من جهة أخرى. فقد عرفه الناس شخصية اجتماعية أصيلة، وكاتباً فذاً، وشاعراً يجيد سبك الأبيات والمعاني، وصاحب حضور لطيف المعشر يأسرك بتواضعه قبل أن يأخذك إلى عمق فكره ونصاعة قلمه.
يبدع الشيخ فاروق في الكتابة نثراً وشعراً، وهو ما يتجلى في مقالاته العميقة وأبياته الشعرية الموحية التي لا تقتصر على جماليات اللغة، بل تحمل مواقف رصينة وآراء حكيمة، يطرحها دون سعيٍ وراء شهرة أو جاه أو مال. فهو من بيت الجاه والمكانة الاجتماعية، لكنه اتخذ من الكلمة الصادقة والفكر المستنير طريقه، فأصبح أيقونة أدبية وفكرية تفرض احترامها على كل من يطالع نتاجه.
تميزت كتاباته بالرصانة والعمق، حيث تعالج الكثير من القضايا التي تعاني منها بلادنا التي تسكنه في حله وترحالة، يتابع تطوراتها وأحداثها وكأنه يعيش الواقع، رغم وجوده في المهجر الكندي،ويجمع في أسلوبه بين وضوح الفكرة ورشاقة التعبير. وهو في الشعر مدرسة قائمة بذاتها، إذ يكتب أبياتاً قليلة لكنها كبيرة بالمعنى والدلالة، تنطبق عليها صفة “السهل الممتنع” الذي لا يبرع فيه إلا من امتلك ناصية البيان. وما أكثر أولئك الذين يكتبون عشرات الأبيات دون أن تترك أثراً، بينما تكفيه كلمات معدودة ليهز بها وجدان القارئ أو المستمع.
شخصياً، كان تعارفي الأول معه عبر كتاباته التي شدتني بجاذبيتها وعمقها، ثم توطدت معرفتي به من خلال التواصل الإلكتروني، حتى سعدت بلقائه في أبوظبي مطلع العام 2021. كان لقاءً أخوياً حاراً، جمعنا فيه دفء الصداقة وحب الكلمة ووهج الفكر، وكان ثالثنا فيه صديقنا المشترك الفنان التشكيلي المبدع عبد القادر السعدي، فامتزجت جلسة الأدب بروح الفن وعذوبة المعاني. ومنذ ذلك الحين، صارت علاقتنا أكثر رسوخاً وامتداداً، لا سيما مع دعمنا ورعايتنا للمبدعة التشكيلية والشاعرة نادية المفلحي، التي أثبتت وجودها في الساحة الفنية والأدبية حتى غدت عَلَماً بارزاً يُشار إليه بالبنان.
ولا أنسى أن الشيخ فاروق شرفني بكتابة تقديم لكتابي “معجم الأسلاف والأعراف القبلية في بلاد يافع”، حيث جاء تقديمه ملهماً وعميقاً، عكس إلمامه الواسع بالأعراف والتقاليد والقيم اليافعية، التي تشربها منذ طفولته بحكم انتمائه لبيت مشيخة المفلحي. لقد أحسن التقديم، ففتحت كلماته شهية القارئ للغوص في المعجم والتعرف على ذلك “الدستور غير المكتوب” الذي حكم حياة يافع حتى عشية الاستقلال الوطني عام 1967.
وكان من دواعي سروري البالغ أن ألتقيه مجدداً يوم السبت، الثالث عشر من سبتمبر الجاري، في مدينة هاملتون بكندا، وأهديته ذلك الكتاب الذي ترك بصماته فيه مع بعض مؤلفاتي الأخرى، وذلك خلال فعالية تكريم صديقنا الدكتور فضل الشطيري. لقد كان التكريم مناسبة سامية من أبناء الجالية الجنوبية هناك، وأتاح لنا شرف المشاركة والوقوف جنباً إلى جنب مع قامات عزيزة، في مقدمتهم شيخنا الأديب فاروق المفلحي، الذي زاد اللقاء ألقاً بروحه الطيبة وحضوره المهيب.
إن الحديث عن فاروق المفلحي لا ينتهي، فهو شخصية موسوعية ومن رجال الفكر والأدب والمعرفة في بلادنا، وشاعر الكلمة القليلة والمعنى الكبير، وصديق المبدعين وراعٍ لهم، وشيخ متواضع في هيبته، عظيم في إنسانيته. تحية له أينما كان، ودعاؤنا له بالصحة والعافية، وأن يظل منارة إشعاع أدبي وفكري يضيء حياتنا بما يكتبه ويبدعه.
د.علي صالح الخلاقي