شارك الخبر
==========
د.علي صالح الخلاقي
غادرنا يوم أمس الأول من اكتوبر2025م إلى جوار ربه شاعر الوطن والقضية الجنوبية، الشاعر الشعبي الكبير صالح غالب علي الشقي، أحد أبرز شعراء يافع خاصة، والجنوب عامة، ورمزاً من رموز الكلمة الصادقة التي حملت هموم الناس وصوت الأرض والقضية. برحيله يفقد الجنوب واحداً من فرسان الكلمة الشعبية، وأحد حماة الهوية الثقافية، الذين صاغوا بزواملهم ورواجزهم مشاعر الجماهير ووجدانها في مختلف المنعطفات.
ارتبط الفقيد منذ شبابه المبكر بوطنه الجنوب، مجسداً معنى الوفاء والانتماء قولاً وفعلاً، حين التحق في صفوف القوات المسلحة مدافعاً عن حياض الوطن، مؤمناً بقضيته ومصيره. ثم انتقل إلى سلك الإدارة والعمل المدني في مديرية سباح مطلع ثمانينات القرن الماضي، حيث تولى عدداً من المهام والمسؤوليات منها إدارة التعاونية الاستهلاكية، ثم واصل مسيرته بعد الوحدة في سلك التربية والتعليم، متحملاً أمانة قيادة إدارة التربية والتعليم بمديرية سباح. وفي كل موقع حلّ فيه كان عنواناً للنزاهة والإخلاص والاستقامة، لا يساوم على الحق، ولا يلين في أداء الواجب. وقد أحبه الناس لوضوحه وصدقه وحرصه على الإصلاح الاجتماعي، فكان مصلحاً اجتماعياً ووسيطاً لحل الخلافات، ومثالاً يُحتذى في المروءة والسمو الأخلاقي.
غير أن الجانب الأبرز في شخصية الفقيد هو حضوره الشعري الفذ، إذ كان من أبرز شعراء الزوامل والرواجز في يافع والجنوب عامة. امتاز بموهبة فطرية نادرة، وقدرة على الارتجال السريع، جعلته في الصفوف الأولى لمن لا يُبارَون في هذا اللون الشعري الشعبي الأصيل. لم يكن شعره مجرد إبداع لفظي أو تفنّن لغوي، بل كان موقفاً حياً وصوتاً صادقاً يعبر عن آلام الناس وآمالهم، وينحاز لقضيتهم العادلة، فارتبط اسمه بالكلمة الهادفة التي ترافق الموقف، وتحفظ الهوية الجنوبية من الذوبان.
لقد ترك الفقيد ثروة من الإنتاج الشعري الشعبي، إرثاً ثميناً يمثل رصيداً للأجيال، ومرجعاً للباحثين في التراث الشعبي الجنوبي، نأمل أن يتصدى أبناؤه ومحبوه لتوثيقه وجمعه ونشره، حتى يبقى حياً في الذاكرة الجمعية، وماثلاً في الوجدان الوطني.
وفيما يلي أقدم من محفوظاتي نماذج متعددة من أشعاره وزوامله.
– في مناسبة التقى الشاعر شائف محمد الخالدي وحسين محمد بن رباح الكلدي وصالح غالب الشقي في منطقة (نَخْرَة ) في سَبَّاح .
• حيث بدأ الخالدي:
مني سلام الفين قال الخالدي
وزن المطارح والجبال النايفة
ما اليوم قسَّمنا ويافع باسمنا
وانتم تبع خنفر وحد الطارفة
• فرد ابن رباح يقول:
حيا بكم يا ذي سندتوا عندنا
ما تصبح الشرقي تهز العاصفة
يافع وسط وابين معيَّ به سجل
فكيف تنكرني وانا بو ناصفة
• وعقّب صالح غالب يقول:
حيا بكم يا ذي سندتوا عندنا
ما الشرح والعيدان بيته عازفة
يشهد معي حِلْيَن وحيد المحجبة
والقارة النصبا عليهن نايفة
• ومن أشعاره هذه المواجهة بينه وبين الشاعر عبدالقوي صالح زين بن مجمل المطري
• الببدع للشاعر صالح الشقي:
بو زيديه قال بتوكل
وا غيِّر القاف بالعاني
من شان عبدالقوي يفهم
ما غَيِّره شي على شاني
ساعه معانا على الدنيا
وكل ما فوقها فاني
ما دام أنا في عدن عائش
وهو معه كَرْتْ صنعاني
• جواب بن مجمل
بو زيديه مرحبا حيَّا
والقاف ذي جاب لي ثاني
وأنا الذي جانبك بمشي
سرمد وأنا بالطرف ساني
الحزب ذي كان من سابق
ضَحَّكْ لغيري وبكَّاني
حسب المثل قال يا أحبابي
هدية القرد حوَّاني
• امشقي
لا الحزب بطَّال من سابق
أنته على نفسك الجاني
والله بَنِّي رَعا ودَّك
حتى ولا انته تحدَّاني
بُو زيد معروف في شمله
يا صاحب الباش والرَّاني
ما با تسلبني الصَّعده
لو فوق جنبك مُريكاني
• بن مجمل
طبع الزمن دوب يتغير
والوقت له سبعه الواني
وحزبكم لوَّلي كافر
قد باع معزي مع ضاني
لو كان هو صدق بيحبك
كانه مع الشعب بيعاني
لكن عدن باعها وحده
وحيد صيره وشمساني
عبدالقوي قال لا تزعل
من حكم لسلام ذي جاني
السارق ابيقطعوا يدَّه
ومية جلده على الزاني
• امشقي
لا سامح الوقت ذي سانا
هذا مُهدِّم وذا باني
وذاك جاء با يجردني
من أصل ديني وإيماني
ما شي برى إنِّي أنا الفارس
السوق سوقي وميداني
وإنِّي براعي على شانك
عناد للحاسد الشاني
• بن مجمل
وقت البناء قال أبو ماجد
أسست داري ولركاني
وسَيْت خمسه من الفِلْوَقْ
حطَّيتها وسط ديواني
لا وانَّها أربعه عوجاء
ما شُفت واحد بهن ساني
واحد قوي يسوى الخمسه
با صلحه وسط رُبَّاني
عبدالقوي قال يا الساحر
نفعك سيد سليماني
شلَّيت بلقيس لا عنده
وشل لولي ومرجاني
وفيما يلي بعض الزوامل بين الشاعر صالح غالب الشقي والشاعر عبد القوي العلوي الكلدي جرت بينهما في منطقة (سلحة-رخمة) .
• صالح غالب الذي قال في زامله:
الله يحيي كل من حيا بنا
وحياك يا العارف مع طلابها
من ذي حلاله في بلاد أهل الطرف
حيث الحناشة والحُمة بنيابها
• ثم رد الشاعر عبدالقوي العلوي يقول:
حيابكم ياذه الشواعة مرحباً
ما تكلمين أمقاص زين أسلابها
من عند صابر بالمتاعب والمحن
برغي من الحية، وبكسر نابها
• ثم قال الشقي:
الله يحيي كل من حيا بنا
ما الكوميه متحمله لصوابها
من ذي حلاله في بلاد أهل الطرف
للنار لاصي عادني شلا بها
• ثم أجاب العلوي يقول:
حيا بكم ياذة الشواعه مرحبا
حيا النمارة ذي أوت لاغابها
من عند ذي له خط بكتب بالحجر
ذي تعجز النقاش عن كسارها
• ومن زوامله، رحمة الله تغشاه:
مانا سلامي طش ما الي عطش
مطرش بمطرش مثل عدات القروش
الطير مهما عش يلفاه الحنش
تأتي منايها وهي وسط العشوش
• ومن مساجلات الشاعر ناصر غالب الشقي مع الشاعر محمد عبدالله العلوي عاقل قبيلة أهل علي، في كلد، في عرس محسن عثمان المقفلي:
• ناصر غالب
بيه غلابة من جبل يافع
لانه مع الدولة ولا معنا
لا شلّه النسري ولا السافع
ولا كسبنا شي ولا بعنا
• العاقل:
فات الشتاء والصيف وا ناصر
عاشي بتحسب واين قد نحنا
عاد المصيح من قفا لندن
والحق والقانون يقطعنا
• الشقي :
يا ناشر الليلة توكلنا
من حد به لآثار مبنية
من عند ذي لا قال وتكلم
كلمة تجي عالقرش موزونة
• الشقي :
يقول ذي من طارفة يافع
يااهل الجبل شي با تلبونه
لاني برى من بينكم محنة
والكير من داخل تشبونه
• العاقل:
الليلة البارق من القبلة
والرعد يستوحي من امزانه
والسيل دفّر من قدا الضالع
واهل العقم سدوا على شانه
• الشقي :
سلام لك يالشامخ النايف
ياحيد بك لية وعطوارة
بالأمس لول مشرد الخايف
واليوم بان الوقت واحواله
• العاقل :
يا ذي الشوامخ كيف بالصابر
ذي لا سلم روحه ولا ماله
الحق بجري والطفف عابر
والظلم ماهوه طول ما طاله
• ونختتم بكلمات شاعرنا الفقيد صالح غالب الشقي في رثاء الفقيد القائد حسين بن علي احمد(قهس) الجنيدي، رحمهما الله، قوله:
في الساعة اثنعش رن من لودر جرس
واعطوني الاخبار بالهاتف وانا جالس
وقالوا لي سقط خيال من فوق الفرس
ما ظن في شبوة يغطي موقعه فارس
ماظن تطفئ النار في سوق الهوس
نار العواذل ذي سميت نار بو حابس
وبرحيل الشاعر صالح غالب علي الشقي يطوي الجنوب صفحة مشرقة من صفحات شعرائه المخلصين، لكنه يترك في المقابل أثراً خالداً وكلمة باقية، لن يطويها النسيان ما دام للجنوب قضية، وما دامت الكلمة الحرة تتوارثها الأجيال.
رحم الله الفقيد بواسع رحمته، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون.