شارك الخبر
الشيخ أحمد البدوي هو صاحب القبر المشهور بمدينة طنطا في مصر، ويعتقد كثير من الناس أنه ولي من أولياء الله، وبعضهم يتوجه إليه بالدعاء وطلب النفع ودفع الضر.
لكن عند دراسة سيرته تاريخيًا، نجد أن هناك غموضًا كبيرًا حول شخصيته، وأن سيرته لم تُذكر في المصادر الموثوقة المعاصرة له، بل كتب عنه من جاء بعده بقرون.
🔹 من أين جاء أحمد البدوي؟
يقول من ترجم له من المتأخرين – مثل السيوطي – إنه وُلِد سنة 596هـ في فاس بالمغرب، ثم انتقل أبوه به إلى مكة، فنشأ هناك، وبعدها رحل إلى العراق، ثم استقر في طنطا بمصر حتى وفاته سنة 675هـ، كما ذكر السيوطي في حسن المحاضرة (1/521-522).
لكن إن كان هذا صحيحًا، فالسؤال:
لماذا لم يذكره العلماء الكبار الذين عاشوا في القرن السابع والثامن الهجري؟
فمصر في ذلك الوقت كانت مليئة بالعلماء والمحدثين، وكانوا يترجمون لكل من له شأن من الصالحين والعلماء، فكيف لم يذكروا رجلًا بهذا القدر العظيم الذي يُعتقده الناس فيه اليوم؟
🔸 رأي العلماء في سيرته:
👤 الشيخ أحمد شاكر رحمه الله قال في كتابه حكم الجاهلية (ص166):
“نريد أن نسأل المؤرخين عن تاريخ السيد أحمد البدوي، هل كان له وجود حقيقي؟
لأن الذين كتبوا عنه متأخرون جدًا، وأقدم من ذكره هو السيوطي، المتوفى سنة 911هـ، أي بعده بأكثر من قرنين، ولم يذكر السيوطي عمن نقل خبره.
والقاعدة عند العلماء أن المرسل لا تقوم به حجة، لأنه يحتمل الجهالة في الواسطة.
فنحن نطلب فقط التحقق من الأمر.”
👤 الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله قال في المدخل المفصل لمذهب الإمام أحمد (1/468):
“أحمد البدوي مترجم في الأعلام (1/75) وأن وفاته سنة 675هـ، لكن لا يوجد مصدر واحد لترجمته من القرن السابع أو الثامن.”
🔹 كيف كانت حياته؟
من كلام من ترجم له، يُفهم أنه كان غريبًا عن مصر، جاء وحيدًا، وكان يعيش على سطح بيت في طنطا، متلثمًا دائمًا لا يُرى وجهه.
وقال السيوطي في حسن المحاضرة (1/522):
“عُرف بالبدوي لملازمته اللثام، وكان لا يفارقه، وعرض عليه الزواج فأبى، لإقباله على العبادة، ثم أقام بطنطا على سطح دار لا ينزل منه، وكان إذا عرض له الحال يصيح صياحًا متصلًا…”
وقال المناوي في الكواكب الدرية (2/388):
“كان إذا لبس ثوبًا أو عمامة لا يخلعها حتى تبلى، وكان لا يكشف اللثام عن وجهه.
فقال له رجل: أرني وجهك، فقال: كل نظرة برجل! فألح عليه، فلما كشف وجهه مات الرجل في الحال.”
فإذا كان لا أحد يرى وجهه، فكيف تأكدوا من شخصيته؟
🔸 رواية المقريزي:
المؤرخ الكبير المقريزي نقل عن العلامة أبي حيان الأندلسي مشهدًا غريبًا من طنطا فقال في درر العقود (3/77):
“ذهبت مع بعض الناس لزيارة الشيخ أحمد البدوي بطنطا، فوجدناه رجلًا طوالًا، والناس تأتيه تقول: خاطرك مع غنمي، خاطرك مع زرعي…
حتى جاء وقت الصلاة، فدخل المسجد، فلما أقيمت الصلاة، وضع رأسه في ثوبه، وكشف عن عورته وبال على نفسه وعلى حصير المسجد، ولم يصلِّ.”
ومن كانت هذه حاله، فلا يمكن أن تكون هذه صفة ولي من أولياء الله، بل على أحسن الأحوال يمكن القول إنه رجل مبتلى ومرفوع عنه القلم.
🔹 كلام شيخ الإسلام ابن تيمية:
قال رحمه الله في مجموع الفتاوى (10/444):
“رفع القلم لا يعني أن صاحبه وليٌّ من أولياء الله، بل هو مرفوع عنه التكليف كالذي لا عقل له، والأنبياء لا يجوز عليهم الجنون، لأن كمال الإنسان بالعقل، فكيف يكون زوال العقل طريقًا إلى الولاية؟”
✍️ الخلاصة:
كل ما ورد عن أحمد البدوي من كرامات وأحوال غريبة جاء من روايات متأخرة غير موثوقة، ولم يذكره أحد من العلماء الثقات المعاصرين له.
لذلك فشخصيته غامضة وغير مثبتة تاريخيًا، ولم يُعرف له علم ولا إمامة ولا أثر معتبر في الدين.
📚 ومن الكتب الحديثة التي تناولت الموضوع:
السيد البدوي شيخ وطريقة للدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور.
السيد البدوي دراسة نقدية للدكتور عبد الله صابر.
🔹 فالواجب أن نتحقق من الحقائق، ولا نتبع القصص والأساطير دون دليل.
قال الله تعالى:
“قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ”