شارك الخبر
دلتابرس. منوعات
في صيف عام 1969، تحت وطأة هزيمة يونيو 67، أطلقت المخابرات المصرية عملية سرية تحمل الرقم الكودي “1001”. كانت المهمة جريئة : زرع عملاء شباب داخل نسيج المجتمع الإسرائيلي لجمع أسرار الجيش والمجتمع هناك.
في قلب هذه العملية، كان هناك شاب مصري يُدعى “عمرو”، اختير بعناية ليصبح الوجه الخفي لهذا المخطط.
كانت البداية في مدينة طنطا، حيث توفي شاب يهودي يُدعى موشيه زكي رافي في مستشفى المبرة، دون أن يعثر أحد على أهله. فاستغلت المخابرات هذا الظرف كمدخل مثالي.
عمرو، الشاب الوسيم ذو العزيمة الحديدية، اختير لينتحل شخصية “موشيه”.
خضع لتدريبات شاقة : تعلم اللغة العبر.ية، أتقن استخدام أجهزة اللاسلكي، واجتاز اختبارات صارمة ليصبح جاهزًا. أخبر عائلته وخطيبته أنه ذاهب في بعثة عسكرية إلى موسكو، لكنه في الحقيقة كان يستعد لرحلة أخطر بكثير.
رحلة إلى المجهول :
في اليونان، بدأ عمرو رحلته كـ”موشيه رافي”. تظاهر بأنه شاب يهودي يبحث عن عمل، فالتقى ببحار يهودي ساعده في العمل على سفينة واقترح البحار عليه الهجرة إلى إسرائيل، “أرض الميعا.د” كما كان يُطلق عليها.
تقدم عمرو بطلب هجرة، متسلحًا بحلم مزيف وإصرار حقيقي. واجه عقبات بيروقراطية، لكنه نجح أخيرًا في الحصول على الموافقة. قضى أيامًا في معسكرات المهاجرين، يتعلم العبرية ويتقمص شخصيته الجديدة. هناك، أعطاه رجل مسن عنوان قريب له في القدس لمساعدته.
بدأ عمرو حياته الجديدة في مستشفى صغير، حيث كسب ثقة طبيب استضافه في منزله، ثم نقل إلى مستشفى أكبر في تل أبيب.
لاحقًا، انتقل للعمل في مكتبة، مستغلًا سحره ولباقته ليصبح المسؤول الأول عنها. لكن نجاحه أثار غيرة زملائه.
خلال عمله، تعرف على عضوة الكنيست “سوناتا”، التي وقعت في غرامه. لكن غيرة صاحبة المكتبة دفعته إلى الطرد بعد أن أبلغت عن علاقته بسوناتا.
انتقل عمرو للعيش في مكتب سوناتا، لكن صاحبة المكتبة لم تكتفِ، فأبلغت المخابرات الإسرائيلية أنه متهرب من الخدمة العسكرية.
أُلقي القبض على عمرو، لكن سوناتا استخدمت نفوذها لإطلاق سراحه. عُيّن بعدها في وظيفة خدمية قرب تل أبيب، مراجعًا لخطابات المجندين، هنا، بدأت المهمة الحقيقية بفضل إجادته العبر.ية وذكائه، اطلع على معلومات حساسة عن تحركات الجيش الإسر..ائيلي.
راقبت المخابرات المصرية عمرو عن بُعد، دون تواصل مباشر، حتى بدأ عمله كمراجع. زودته بجهاز لا.سلكي آمن، فبدأ يرسل تقارير “حيوية وخطيرة” عن مواقع الرادارات، ومنصات الصو.اريخ، وتحركات الكتائب.
كانت هذه المعلومات بمثابة كنز استراتيجي، ساهمت لاحقًا في نجاح حرب أكتوبر 1973.
تلقى عمرو تعليمات جديدة : افتعال خلاف مع سوناتا ليُنقل إلى سيناء، حيث المعلومات الأكثر حساسية. نفذ الخطة بدقة، فأحضر فتاة إلى منزل سوناتا، التي غضبت واستخدمت نفوذها لنقله إلى سيناء. هناك، أرسل معلومات دقيقة عن الرادارات، الصو.اريخ المضادة للطائرات، ومخازن الذخيرة.
في السادس من أكتوبر 1973، اندلعت الحرب، انهار خط بارليف، وتقدم الجيش المصري. نُقلت كتيبة عمرو إلى خط المواجهة، واستمر في إرسال برقيات منتظمة إلى المخابرات المصرية.
في الساعة 1:50 ظهرًا، تلقى أمرًا بالتوجه إلى القافلة الطبية في “أم مرجم”، مع تعليمات للطيارين بعدم قصف المنطقة. لكن عمرو، مدركًا أهمية دوره، رفض المغادرة. استخدم جهاز إرسال صوتي لنقل معلومات حيوية، وفي الساعة 2:35 ظهرًا، أرسل تقريرًا عن قصف غرفة العمليات الإسرائيلية.
النهاية المأساوية :
كررت المخابرات طلب مغادرته، لكنه أخبرهم أن كتيبته نُقلت إلى القنطرة شرق. ووعد بإرسال تفاصيل إضافية، لكنه لم يكمل رسالته.
في لحظة مأساوية، استشهد إثر انفجار في كتيبته. التقطت أجهزة الاستقبال الإسرائيلية نداءات مصرية عند الساعة 3:40 مساءً: “أجب يا 1001..أجب”، لكن الصمت كان الجواب.
في الساعة 4:37 مساءً، أمر مدير المخابرات بالبحث عن جثمانه ضمن قافلة متجهة إلى القنطرة شرق، مع تعليمات بعدم استهدافها. لكن الاتصال بقائد الجيش الثاني تعذر وسط فوضى الحرب.
في الساعة 4:50 مساءً، أبلغ ضابط المخا.برات استحالة الوصول إلى القنطرة شرق. لكن في تلك الليلة، تسللت طائرة هليكوبتر مصرية إلى المواقع الإسرائيلية، وعُثر على جثمان عمرو، مرتديًا زي الجيش الإسرائيلي.
لحظة الوداع :
وُضع جثمان عمرو في صندوق خشبي، لُف بعلم مصر، وأدى ضابط المخابرات التحية العسكرية. نُقل إلى القاهرة، حيث استقبل كبطل. قال الضابط ماهر عبد الحميد، وهو يودعه : “حملناه عائدين دون دمعة، فقد نال شرف الشهادة الذي لم نحظَ به بعد”.
هكذا انتهت قصة “1001”، الشاب الذي عاش كجندي بين صفوف العد.و، وضحى بحياته ليمنح وطنه النصر.