شارك الخبر
دلتا برس ـ أحمد يسلم
يمثّل حجر المرو أحد أبرز العناصر البصرية والإنشائية التي تميّز العمارة اليافعية في جنوب الجزيرة العربية.
ومنذ زمن الطفولة، ظلّ المرو في ذاكرتي —بلونه الأبيض الناصع—علامة بارزة في المشهد المعماري: كنت ألمحه وسط جربتنا المسماه “نُقْد الضيف” كموروث متوارث لم نفك كنهه ، وعلى أسطح المساجد، وفي الواجهات السكنية المتقنة، وعلى أضرحة الأولياء.
غير أنّ حضوره على واجهات البيوت اليافعية يتخذ معنى يتجاوز كونه مادة بناء، ليصبح عنصرًا سيميائيًا في الواجهة يحفظ هوية المكان ويجسّد علاقة الإنسان ببيئته وطبقاته الثقافية المتعاقبة.
فالبيت اليافعي، من خلال توزيع المرو وتشكيلاته، لا يُبنى بوصفه مسكنًا فقط، بل بوصفه وثيقة معمارية تُسجَّل عليها ذاكرة المجتمع ورموزه وهويته وطقوسه القديمة.
1 ـ الوظيفة الدينية والرمزية للمرو

يحتفظ المرو بدور ديني/طقسي يمتدّ جذره في الثقافات القديمة إلى ماقبل الإسلام بقرون حيث ارتبط الحجر الأبيض بفكرة النور والحماية والقادسة
وقد أكدت دراسات الأنثروبولوجيا الدينية أنّ المجتمعات الزراعية والجبلية اعتقدت بأن المواد اللامعة تمارس وظيفة “عكسية” تصدّ الشرور والأذى وتدرأ العين.
وفي العمارة اليافعية، بقي هذا المعتقد حاضرًا وماثلا للعيان من خلال :
تثبيت قطعة مرو في رأس البيت وتحديدا في حضن أو رأس الكوثرة مايعرف بالخوذي كما أشار إليه ذات مرة الدكتور علي صالح الخلاقي في كتاباته عن العمارة اليافعية
تزيين عقد سدة الدار
ووضع أشكال مرو” في صدر واجهة البيت

وهي مواضع تُعدّ في الموروث الشعبي نقاط حماية رمزية.
وبذلك تحوّل المرو إلى مؤشر دلالي يربط المبنى بنظام معتقدات يمتد عبر زمن طويل، مع إعادة تفسيره ضمن إطار ديني إسلامي يستوعب و لا يتعارض مع تلك الرموز القديمة.
2 ـ الوظيفة الهندسية: في هذا الجانب قد لا أخض كثيرا بحكم قلة معلوماتي في الجوانب الهندسية لكنه ومن نافلة القول يظل المرو مادة لتنظيم الكتلة وتعزيز الثبات البنائي
رغم حمولة المرو الرمزية، فإن دوره الهندسي واضح وموثق.
فالعمارة اليافعية—بحكم بيئتها الجبلية—تحتاج إلى توازن بصري وإنشائي يحدّ من تأثير الرياح والانحدارات وعوامل الأمطار والرياح
وبإدراج المرو في الواجهات، تحقق عدة نقاط هندسية:
1. تقسيم الواجهة إلى مربعات وخطوط هندسية تقلل من الإجهاد البصري والإنشائي.
2. عمل “حزام” بنائي حول المبنى، يماثل مفهوم الشدّ الأفقي كما هو جار في العمارة التقليدية اليوم
3. فصل الطوابق عبر شرائط من المرو تخفف التشقق وتساعد الجدار على التمدد والانكماش وفي رأيي هذه أدق مهمة هندسية
بهذا المعنى، لا يصبح المرو عنصرًا تزيينيًا فقط، بل مكوّنًا إنشائيًا وظيفيًا يسهم في استقرار المبنى.
3 ـ الوظيفة الجمالية: إيقاع بصري قائم على التضاد اللوني ضف إلى ماهو ملحوظ في تلوين المبنى بحجارة بيضاء بارتفاع نصف متر ويليها سوداء مايعرف بالصفاف ومفردها صفة .
في الجانب الجمالي، يُعدّ المرو محورًا أساسيًا في صياغة الهوية البصرية للبيت اليافعي.
فالعمارة هنا تعتمد على مبدأ التضاد اللوني بين الحجر الملون سوداء أو صحراوية حسب طبيعة المنقاش والمرو الأبيض، وهو مبدأ شائع في العمارة القديمة، حيث تُوظَّف الألوان لإبراز الخطوط البنائية.

وتظهر الجمالية في:
مربعات ومثلثات متناسقة ومتعاكسة تشبه القلائد الثمينة
قد تكون امتدادا للزخارف القتبانية والحميرية والعربية القديمة
توزيع إيقاعي يعيد إنتاج توازن بصري ينسجم مع ضخامة الجدار
إن هذه التوزيعات ليست عشوائية، بل تخضع لنظام بصري متوارث يخدم القراءة الجمالية للمبنى من مسافات طويلة، ويمنحه حضورًا مهيبًا على سفوح الجبال. وبقي الإشارة هنا إلى أن البيت اليافعي يبنى في موقع يمنح صاحبه حراسة الأرض الزراعية في الوادي أو المدرجات في الجبل ويوفر له التمتع بالمنظر الزراعة والثمر ناهيك عن تلبيته لمتطلبات الأمان والمكانة كقلعة أمنية واعتبارية
خلاصة الوظائف الثلاث
يمتزج المرو في العمارة اليافعية بخصائص ثلاث رئيسة:
1. وظيفة رمزية/دينية:
الحماية والبركة
تمثيل النور والطهارة
بقايا رموز قديمة معاد تفسيرها في سياق العبادة والروحانيات
2. وظيفة هندسية:
شدّ وترابط الجدران وجعله كفواصل تمنع التشقق في المبنى
تقسيم الكتلة البنائية
مواجهة الظروف البيئية والمناخية
3. وظيفة جمالية:
صياغة إيقاع بصري واضح
إبراز الواجهة بالتضاد اللوني
إضفاء هوية معمارية مميزة للبيت اليافعي

وخلاصة القول :
يمثل المرو، في صيغته اليافعية، نموذجًا لالتقاء العنصر الإنشائي بالعامل الرمزي والجمالي، وهو التقاء نادر وربما انفرادي
فهو حجرٌ يؤدي دورًا حسيًا ملموسًا، ودورًا رمزيًا متجذّرًا، ودورًا جماليًا يجعل واجهات البيوت تبدو كأنها صفحات مضيئة من تاريخ طويل يعكس تراكم حضاري ثقافي متنوع جسدته العمارة اليافعية
إن دراسة هذا العنصر تكشف أن العمارة اليافعية ليست مجرد تقنية بناء، بل منظومة ثقافية مكتملة تتداخل فيها الطبيعة والعقيدة والجمال والهندسة في صورة واحدة متماسكة. وشاهد عيان على أهمية هذا الفن المعماري المتجذر في تاريخ الحضارة الإنسانية حق له الإشادة والابراز والتوثيق والدراسة والتحليل والتطوير المستمر
