شارك الخبر
كتب المحرر السياسي لـ«دلتا برس»
لم يكن المشهد يومًا ملتبسًا لمن يعرف طبائع الأرض والناس.
ففي الوقت الذي دخل فيه البعض الحرب بوصفها معركة وجود، دخلها آخرون بوصفها دورة مالية قابلة للتمديد، وإعادة الفوترة، وتبديل العناوين.
التحالف، حين تشكّل، لم يكن اختبار قوة فقط، بل اختبار صدق.
وهنا انقسم الطريق منذ اللحظة الأولى:
طريقٌ نزل إلى الميدان، قاتل، ثبّت، وبنى،
وطريقٌ صعد إلى الفنادق، فاوض، وقسّم الأدوار، وأدار الحرب كملف مفتوح بلا نية إغلاق.
الجنوب… حين يكون الحليف معنى لا شعارًا
في الجنوب، لم يُنظر إلى التحالف بوصفه «فرصة»، بل بوصفه شراكة معركة.
دمٌ مقابل دم،
وأرض مقابل أرض،
ووعدٌ يُدفع ثمنه فعلًا لا بيانًا.
لم يبدّل الجنوب خطابه،
ولم يرفع سقف مطالبه كلما طال الزمن،
ولم يستخدم الجبهة كورقة ضغط.
قاتل لأنه يريد أن يعيش،
وثبّت لأنه يعرف أن الأرض التي تُحرَّر بلا نظام تعود أسرع مما غادرت.
لهذا، حين تراجع الضجيج، بقي الجنوب واقفًا؛
بقواته، وأمنه، وحدوده التي لم تُفتح يومًا للغدر.
الهضبة… تاريخ من توزيع الأدوار
في المقابل، لم تكن الهضبة يومًا موحّدة على هدف، بل موحّدة على الغنيمة.
تاريخ طويل من:
توزيع الأدوار بين خصمٍ مُعلن وحليفٍ مستتر،
ومعارضة في النهار، وتفاهمات في الليل،
وخطاب ثوري يُموَّل من الجهة التي يُفترض أنه يقاتلها.
وجدت هذه النخب في التحالف:
محفظة تمويل لا شريكًا،
ورافعة بقاء لا معركة مصير.
كلما طال أمد الحرب ازدهرت تجارتهم،
وكلما تعثّر الحسم تضخّمت فواتيرهم،
وكلما سُئلوا عن الإنجاز قدّموا «تعقيد المشهد» كعذرٍ جاهز.
حين انسحبت الذراع، انكشفت الحقيقة
لم يكن انسحاب الإمارات لحظة انهيار، بل لحظة كشف.
كُشف من كان يعمل،
ومن كان ينتظر،
ومن كان يفاوض على زمن الهزيمة لا على شروط النصر.
خرج الفاعل، وبقي الضجيج.
بقيت البيانات بلا أرض،
والألوية بلا اتجاه،
والشرعية بلا شرعية ميدانية.
أما الجنوب، فلم يتغيّر موقعه، لأنه لم يكن يقف على رملٍ متحرّك.
التحالف بعد الوهم
التحالف اليوم لم ينتهِ رسميًا، لكنه انتهى أخلاقيًا في عيون من قاتلوا بصدق.
لم يعد سؤال الجنوب: أين التحالف؟
بل: هل يتعلّم من التجربة، أم يكرّر الخطأ نفسه مع الأسماء ذاتها؟
فمن جرّب الهضبة سبعين عامًا،
ولا يزال يصدّق خطابها،
لا يخدعه الآخرون…
بل يخدع نفسه.
الخلاصة التي يخشاها البعض
الجنوب لم يكن يومًا عبئًا على التحالف،
بل كان اختباره الوحيد للجدّية.
والهضبة لم تكن حليفًا فاشلًا،
بل مشروع استنزاف ناجحًا…
لأنها لم تدخل الحرب لتربح،
بل لتُموِّل بقاءها فوق أنقاض غيرها.
وفي السياسة، كما في التاريخ:
من يقاتل بصدق قد يتأخر نصره،
لكن من يقاتل بدورين
لا ينتصر أبدًا…
حتى لو طال عمر المحفظة.