شارك الخبر
لم تكن المهرة وظفار يوماً منطقتين منفصلتين بالمعنى التاريخي أو الاجتماعي، بل شكّلتا عبر قرون طويلة امتداداً جغرافياً وبشرياً واحداً، توحّدتا في اللغة المهرية، والتركيبة القبلية، وأنماط العيش، والمصير المشترك. غير أن هذا الامتداد دخل مرحلة صدام حاد في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، مع تصاعد محاولات فرض نفوذ سياسي جديد على ظفار، خارج إرادة سكانها وامتدادها الطبيعي المَهري.
أولاً: جذور الصراع
نشأ الصراع في سياق غياب الدولة الحديثة، حيث كانت الأرض تُدار بمنطق النفوذ القبلي والسلطاني. ومع توسّع نفوذ سلطنة عُمان في ظفار، برز مشروع سياسي يهدف إلى تثبيت السيطرة وفرض واقع جديد، متجاهلاً الارتباط التاريخي العميق بين ظفار والمهرة، ومتجاوزاً حقوق القبائل التي رأت في ذلك اقتطاعاً قسرياً من مجالها الطبيعي.
ثانيًا: القبائل المهرية في مواجهة مشروع الإخضاع
في مواجهة هذا المشروع، شاركت قبائل مهرية معروفة في النزاعات المسلحة، دفاعاً عن الأرض والوجود التاريخي، ومن أبرزها:
• قبائل بيت كلشات
• قبائل بيت قمصيت
• قبائل بيت الكثيري
• قبائل بيت رعفيت
• قبائل بيت الحريزي
وقد خاضت هذه القبائل المواجهات انطلاقاً من موقف واضح: رفض فرض النفوذ بالقوة، ورفض تحويل الامتداد التاريخي إلى حدود مصطنعة لا تعترف بالهوية ولا بالجغرافيا.
ثالثًا: الشهداء… الدم الذي تم تجاهله
لم تكن هذه الصراعات بلا ثمن؛ فقد سقط شهداء من أبناء المهرة في هذه المواجهات، دفاعاً عن أرضهم وكرامتهم. غير أن هذه التضحيات جرى تغييبها لاحقاً من السرديات الرسمية، لأن الاعتراف بها يعني الاعتراف بأن ما جرى لم يكن تنظيماً إدارياً، بل فرض سيادة بالقوة والسلاح.
إن طمس ذكر الشهداء المَهريين ليس إغفالاً تاريخياً، بل إقصاء سياسي متعمّد، هدفه نزع الشرعية عن أي رواية تُذكّر بأن الحدود الحديثة كُتبت فوق دماء، لا فوق توافقات عادلة.
رابعاً: الاستعمار وترسيم الواقع
مع دخول الاستعمار البريطاني إلى المنطقة، اكتمل المشهد؛ إذ أُعيد رسم الحدود بما يخدم المصالح الدولية، لا الحقائق التاريخية. فُصل المجتمع الواحد، وقُطعت أوصال القبائل، وثُبّت واقع سياسي جديد، جرى التعامل معه لاحقاً على أنه “أمر سيادي نهائي”، رغم أنه نتاج مرحلة قهر لا مرحلة توافق.
خامساً: قراءة سياسية للتاريخ
إن الصراع بين المهرة وظفار لا يمكن اختزاله في نزاع قبلي، بل يجب فهمه بوصفه:
• مقاومة محلية ضد مشروع إخضاع سياسي
• صراعًا على الهوية والسيادة
• نموذجاً لكيفية صناعة الدول الحديثة على حساب المجتمعات التاريخية
وما يزيد من خطورة هذا الملف هو استمرار تجاهله، وكأن الدم المَهري الذي سُفك لا يستحق الاعتراف، وكأن التاريخ يُكتب فقط من زاوية المنتصر سياسياً.
الخاتمة
إن ما جرى بين المهرة وظفار ليس صفحة طُويت، بل قضية تاريخية أُقصيت. فالحدود التي فُرضت بالقوة، والدماء التي سُفكت ثم أُنكرت، لا تسقط بالتقادم. وسيبقى هذا الصراع شاهداً على أن المهرة لم تكن يوماً هامشاً تابعاً، بل طرفاً واجه، ورفض، ودفع ثمن موقفه دماً وتهميشاً سياسياً.
✍🏻 #رحمه_صالح