شارك الخبر
تابعت، كغيري من المتابعين، مقابلة قناة العربية مع البروفيسور الدكتور عبدالناصر أحمد الوالي؛ لا بوصفه وزير الخدمة المدنية والتأمينات في حكومة سالم بن بريك فحسب، بل باعتباره قبل ذلك قامة علمية راسخة، وطبيب عظام شهير، وأستاذاً جامعياً مرموقاً في كلية الطب بجامعة عدن، حمل مشرط العلم بيد، وهمّ الوطن باليد الأخرى.
وأعترف أنها كانت المرة الأولى التي أشاهد فيها الدكتور الوالي في لقاء تلفزيوني مباشر، رغم أنني من المتابعين والمعجبين بكتاباته الصحفية الرصينة، وتناولاته الفكرية المتزنة التي تظهر بين حين وآخر، وتشي دائماً بعقل منظم، ولغة مسؤولة، ووعي وخبرة سياسية وقيادية متنوعة ومتراكمة .
في ذلك اللقاء، وأمام أسئلة الإعلامية شذى — بما اتسمت به من مباغتة والتفاف لولبي ذكي حاولت إرباك ضيفها الفطن بالمقاطعة تارة والذهاب بالحديث إلى دهاليز ملغومة بيد أن معاليه اظهر مهارة نادرة في إدارة الحوار، وبداهة حاضرة، وفطنة الرد لرجل يعرف متى يقول، وكيف يقول، ومتى يصمت ليجعل المعنى يبلغ منتهاه دون زيادة أو نقصان.
لكن ما كشفه اللقاء، بعيداً عن تقنية السؤال والجواب، هو ظهور هامة قيادية وسياسية واعتبارية من العيار الثقيل؛ شخصية متماسكة، رزينة، واضحة، لا تتكئ على الشعارات، ولا تفرّ إلى الضباب. جاءت إجاباته منطقية البناء، متوازنة النبرة، صادقة العبارة، صريحة دون تهور، وهي خصال نادرة في زمن غلب فيه الصخب على الحكمة، والارتجال على المسؤولية.
ولم يكن وصول المقابلة إلى الترند في الفضاء الرقمي أمراً عابراً أو مصادفة؛ بل كان دلالة واضحة على أهمية الحديث، وثقل المتحدث، وقدرته العالية في أدب الحوار، حيث عكس شخصية تجمع بين الحزم والدبلوماسية، وبين الذكاء السياسي وسرعة البديهة، دون أن تفقد وقارها أو تنزلق إلى المزايدة.
ومن حسنات قناة العربية — وتحسب لها لا عليها — أنها قدمت للعالم شخصية جنوبية بوزن الدكتور عبدالناصر الوالي، بوصفه أحد أبرز من مثّل القضية الجنوبية حتى اللحظة، بكل ما تحمله من تعقيد تاريخي، وعمق سياسي، وعدالة أخلاقية. وتتعاظم أهمية هذا اللقاء لكونه يأتي قبيل مشروع الحوار الجنوبي – الجنوبي المرتقب، في لحظة حساسة تتطلب خطاباً عاقلاً لا ضجيجاً، ووضوحاً لا مراوغة.
ولا حاجة للغوص في دهاليز المقابلة أو تفكيك مفرداتها؛ فما قيل كان أبلغ من أي شرح، وما طُرح جاء مكثفاً وواضحاً على لسان ذلك الطود الجنوبي الشامخ، والإنسان الوطني الصدوق، الذي لم يُحسن فقط عرض القضية الجنوبية، بل أوصلها إلى العالم بأعلى قدر من الاحترام، وبأوضح رسالة ممكنة.
بعد حديث الدكتور عبدالناصر الوالي، تبدو أي مقابلات لاحقة زائدة عن الحاجة؛ فقد قال ما يجب أن يُقال، وقاله كاملاً غير منقوص، واضحاً كوضوح الشمس في رابعة النهار.
أحمد يسلم