شارك الخبر
قد يبدو غريبًا أن تنقسم منطقة واحدة دينيًا بهذا الشكل الحاد، لكن قصة السودان وجنوب السودان ليست دينية بحتة، بل هي نتيجة تفاعل طويل بين التاريخ والجغرافيا والسياسة عبر قرون.
دخل الإسلام إلى شمال السودان مبكرًا منذ القرن السابع الميلادي عبر طرق التجارة والهجرات العربية القادمة من شبه الجزيرة العربية ومصر. ومع مرور الوقت، انتشرت اللغة العربية والثقافة الإسلامية، وظهرت سلطنات إسلامية قوية مثل سلطنة الفونج وسلطنة دارفور، ما جعل الإسلام والعربية جزءًا أساسيًا من هوية شمال السودان الدينية والثقافية.
في المقابل، كان جنوب السودان معزولًا نسبيًا بسبب الطبيعة الجغرافية الصعبة، مثل المستنقعات الواسعة والغابات الكثيفة وضعف طرق التجارة، وهو ما حدّ من وصول التأثير العربي الإسلامي إليه. وعندما وصل الاستعمار البريطاني، اتبع سياسة مختلفة تمامًا في الجنوب، حيث شجّع الإرساليات التبشيرية المسيحية، ودعم التعليم باللغات المحلية واللغة الإنجليزية، وقيّد انتشار الثقافة العربية والإسلامية، ما ساهم في انتشار المسيحية والديانات الإفريقية التقليدية.
خلال الحكم البريطاني للسودان، اعتمدت بريطانيا سياسة «فرّق تسد»، ففصلت إداريًا وثقافيًا بين شمال البلاد وجنوبها، وعملت على تعميق الفوارق بدل دمج المجتمع في هوية وطنية واحدة، مما أدى إلى تشكّل هويتين مختلفتين داخل دولة واحدة.
بعد استقلال السودان عام 1956، حاولت الحكومات المركزية فرض هوية عربية إسلامية على كامل البلاد، وهو ما دفع سكان الجنوب إلى الشعور بالتهميش السياسي والثقافي. هذا التوتر أدى إلى اندلاع حربين أهليتين طويلتين امتدتا لعقود، وتسببتا في مئات الآلاف من الضحايا ودمار واسع.
وفي عام 2011، جرى استفتاء شعبي في جنوب السودان صوّتت فيه الأغلبية الساحقة لصالح الانفصال، لتولد دولة جنوب السودان كدولة مستقلة ذات أغلبية مسيحية، بعد مسار طويل من الصراع والانقسام.
في النهاية، فإن الاختلاف الديني بين السودان وجنوب السودان لم يكن وليد الصدفة، بل كان نتيجة مباشرة للجغرافيا، والمسارات التاريخية المختلفة، والسياسات الاستعمارية، وصراعات الهوية الممتدة، ليصبح السودان مثالًا واضحًا على كيفية تشكّل الحدود الدينية والسياسية عبر التاريخ.