شارك الخبر
دلتابرس . ثقافة وأدب ..
بين عمارتين يافعيتين تتقابل الأزمنة كما تتقابل الوجوه في مرآة الذاكرة.
إحداهما قديمة، متعبة الملامح محفورة بتجاعيد الريح ووشوم المطر، لكنها ثابتة كأنها تحفظ عهد الأرض مع السماء.
والأخرى حديثة، على الطراز ذاته، غير أنها أكثر صفاء وبريقا، كأنها الفكرة حين تنضج، أو الحلم حين يتحقق في صورة أجمل.
وفي المسافة بين الحجر والحجر، يقف الأب.
لا يقف كظل باهت لماض مضى، بل كسند ممتد في عمق الزمن. ملامحه تحمل تعب السنين، غير أن قامته لا تعرف الانحناء؛ كأنه خريج جامعة الزمن العتيقة، وقد تسلم وشاح الخبرة بعد أعوامٍ من الكفاح الصامت، في لحظة تسلم واستلام لا يعلنها احتفال، بل يكرسها الوفاء.
يقف بجوار أبيه كما تقف العمارة الجديدة إلى جوار القديمة لا لتتفوق عليها بل لتشهد لها. فالجمال الجديد ليس نفيت للأول، بل ثمرة صبره، وامتداد ظله، وتجلي روحه في هيئة أكثر إشراقًا.
ذلك الأب الذي يتمنى، بكل نقاء ونكران ذات، أن يرى ابنه أجمل حضورا، وأوسع نجاحا، وأرفع مقامًا منه؛ لأن عظمة الأب لا تقاس بما بلغ، بل بما أوصل إليه.
هو لا يريد أن يرى في الصورة، بل أن يرى في إنجاز ابنه، كما ترى الأساسات في صلابة البناء، وإن غابت عن العيون.
هكذا تتعاقب الأجيال كما تتعاقب الحجارة في المعمار اليافعي…
القديم أصل لا يزول
والجديد امتداد يزهر
وبينهما سر البقاء: أن يكون الحب هو الحجر الأول، وأن يكون الفخر هو السقف الذي يظلل الاثنين معًا
محبتي. زكي يافعي