شارك الخبر
د. محمد صالح فاضل الصلاحي
روتشستر نيويورك
لم أعرف في حياتي إنسانًا بهذه الصلابة، ولا شاهدت روحًا بهذه الطمأنينة في وجه الألم، مثل أستاذي محمد محسن العمري.
رجلٌ عصاميّ صاغته التجارب، وعلّمته الحياة كيف يقف ثابتًا حين يتراجع الآخرون، وكيف يبتسم حين يثقل الجسد بالوجع.
هو اليوم يواجه المرض، لا بضعف الجسد، بل بقوة اليقين. يؤمن إيمانًا لا يتزعزع بأن ما نمرّ به من ابتلاءات ليس عقابًا، بل امتحان من رب العرش الكريم، يختبر به صفاء القلوب وقوة الإيمان.
وخلال الأشهر الستة الماضية، بينما كان يخضع لعدد من التدخلات الجراحية ويتنقّل بين جلسات العلاج الكيميائي، العلاج بالأشعة (الإشعاعي) كنت أعلم — بحكم معرفتي الطبية والإنسانية — كم يمكن لهذا الطريق أن يكون قاسيًا، مؤلمًا، ومثقلًا بالخوف والمعاناة الجسدية والنفسية.
لكن العجيب أنني كنت وحتى يومنا هذا كلما تواصلت معه، وجدتُ نفسي أنا من يبحث عن السكينة، فيمنحني إياها هو.
كان صوته هادئًا، ثابتًا، ويقول لي دائمًا:
“اطمئن… المعنويات عالية، والأمل في الله لا حدود له.”
لم يكن يحدثني عن الألم الذي ينهش الجسد، ولا عن الليالي الثقيلة، ولا عن إرهاق العلاج، بل كان يحدثني عن شيء آخر تمامًا . كان يحدثني عن الكتب التي يترجمها ويتحدث بشغف طفلٍ اكتشف كنزًا، وبهمة شابٍ في بداية الطريق، عن كيف يحاول أن يسرق من الألم دقائق، ومن التعب ساعات، ليترجم كتبًا ومراجع تاريخية من الإنجليزية والألمانية إلى العربية.
ثم يرسل إليّ عبر الواتساب صفحات من ترجماته… فأقرأها وأنا مبهور؛ ليست دقيقة فحسب، بل نابضة بلغةٍ حيّة، مشبعة ببلاغةٍ تشهد أن الروح التي تكتبها لم تنكسر.
هنا أدركت أن القصة ليست قصة رجل يقاوم المرض فقط،
بل قصة إنسان يقاوم التوقف ويقف في وجه العجز بالمعرفة، وفي وجه الألم بالعطاء، وفي وجه الفناء بالأثر الذي يتركه خلفه.
إنها قصة تلخص معنى الإرادة حين تتكئ على الإيمان، ومعنى الوطنية حين تتحول إلى عمل صامت لا ينتظر التصفيق.
رجل يكتب للتاريخ بينما جسده يخوض معركته الخاصة، ويزرع المعرفة بينما هو نفسه يواجه هشاشة الحياة.
هذا النموذج الإنساني النادر، الذي جمع بين الثقافة الرفيعة والتاريخ الوطني المشرف والقلب المؤمن الصابر، يستحق منا أكثر من كلمات الإعجاب. يستحق أن نقف إلى جواره فعلًا.
ومن أقل الوفاء له أن يسعى كل قادرٍ منا إلى اقتناء كتبه المطبوعة دعمًا له في تكاليف العلاج التي أثقلته وأثقلت أبناءه، ثم نهدي هذه الكتب لمن يحبون التاريخ، حتى تتحقق رسالته التي يعمل لأجلها:
أن تبقى المعرفة حيّة، وأن يظل الوعي التاريخي حاضرًا في وجدان كل إنسان وطني يهمه الجنوب العربي أرضًا وإنسانًا.
من صفحة د محمد صالح فاضل في الفيسبوك