شارك الخبر
في خطوة حاسمة تترقبها عواصم المنطقة، حسمت أروقة صنع القرار في طهران هوية الجالس الجديد على قمة هرم السلطة، حيث أعلن مجلس خبراء القيادة الإيراني، بأغلبية ساحقة، اختيار آية الله الحاج السيد مجتبى الحسيني خامنئي ليكون القائد الثالث للجمهورية الإسلامية.
ووسط هذا التحول المفصلي في بنية النظام الإيراني، نشرت وكالة “تسنيم” الإيرانية للأنباء تقريرا موسعا يسلط الضوء على المسيرة المعقدة للمرشد الجديد، راصدة ملامح شخصية ظلت طويلا تدير أوراقها بعيدا عن صخب وسائل الإعلام، وتاليا أبرز ملامح هذه القراءة:
الجذور والتكوين.. من الجبهة إلى أروقة الحوزة
تشير السيرة الذاتية للمرشد الجديد إلى أنه الابن الثاني للقائد والمرجع آية الله العظمى السيد علي خامنئي. ولد في مدينة مشهد عام 1969، ولم تقتصر سنوات تكوينه الأولى على قاعات الدرس التمهيدي في مدرسة آية الله مجتهدي بالعاصمة طهران، بل امتدت لتشمل انخراطا ميدانيا مبكرا إلى جانب القوات الإيرانية خلال سنوات الحرب العراقية-الإيرانية.
ومع انقضاء الحرب، اتجه بوصلته نحو مدينة “قم” – المعقل الديني الأبرز – ليستقر بها عام 1989، قبل أن يتنقل بينها وبين طهران لاستكمال تحصيله العلمي المتقدم. وهناك، تتلمذ على يد كبار المرجعيات الدينية، وحضر دروس “البحث الخارج” الفقهية والأصولية تحت إشراف والده الشهيد، وعدد من أقطاب الحوزة أمثال الشيخ جواد التبريزي والشيخ وحيد خراساني.
الثقل الأكاديمي وزهد في “صدارة المشهد”
تبرز وكالة “تسنيم” في تقريرها أن آية الله مجتبى خامنئي نجح في حجز مكانة بارزة داخل الأوساط العلمية في قم، مستندا إلى أكثر من 17 عاما من تدريس “البحث الخارج”. وترجع الوكالة الإقبال الكثيف على دروسه إلى منهجيته التي تمزج بين “الدقة العلمية” و”الالتزام الصارم بالأسس الفكرية الإسلامية”.
وقد بلغ هذا الإقبال ذروته مطلع العام الدراسي 2023 بتسجيل أكثر من 1300 طالب. إلا أن المشهد شهد انعطافة مفاجئة؛ فبعد حضور أكثر من 700 طالب للجلسة الأولى، أعلن إيقاف دروسه معتذرا لطلابه.
ورغم توقيع ألف من طلاب وأساتذة الحوزة رسالة رفعوها إلى المرشد الشهيد لمطالبة نجله باستئناف التدريس، كشف مجتبى لاحقا لبعض مقربيه أن قراره استند إلى “أمر معنوي” مبررا ذلك بعدم رغبته في مزاحمة كبار الأساتذة الذين تراجعت أعداد طلابهم في مرحلة ما بعد جائحة كورونا، وداعيا طلابه للتوجه نحو أساتذة يجمعون بين الكفاءة والالتزام الثوري.
هندسة الظل: المؤسسات والعمل الاجتماعي
التقرير الإيراني يلفت الانتباه إلى بعد آخر في شخصية المرشد الجديد، يتمثل في ميله الواضح للعمل المؤسسي الصامت. فقد عكف مؤخرا، وبوصية من والده الشهيد، على صياغة حواش فقهية معمقة على كتاب “العروة الوثقى”، إلى جانب تحرير دروسه السابقة.
وبالتوازي مع ذلك، قاد مجتبى جهودا لتعزيز التيار “الثوري” داخل الحوزة العلمية، ليس عبر تصدر المشهد، بل من خلال دعم وتأسيس مراكز فقهية ومدارس علمية مستقلة. وقد حرص على دمج التكوين الأكاديمي للطلاب بالعمل الاجتماعي وخدمة الطبقات المحرومة، سعيا لخلق جيل من الكوادر الدينية المرتبطة بهموم الشارع الإيراني، مبتعدا في كل ذلك عن مظاهر التنافس التقليدية، ما منحه ثقلا هادئا مهد الطريق لوصوله إلى قمة القيادة اليوم.