شارك الخبر
أحمد السري
للكلمة المكتوبة سطوة وحضور حتى وإن ارتحلت الى المتاحف أو تَعَفّرت بغبار النسيان ،فإنها تبقى حية ولا تموت.. وما لا يدون لا يسعفه التداول الشفهي طويلا ، فما يلبث أن يضمر ويختفي .. وهكذا يحرم التاريخ من صفحات ناصعات لو سجلت لمنحت التاريخ نكهة خاصة، نكهة اجتماعية، تلقائية ساحرة، لاسيّما إن تعلق المروي بمواقف شخصية بعيدة عن الأحداث الكبرى .
تتأثر صورة التاريخ بمقدار التفاصيل التي تشكلها لوحته،
ويعد التاريخ الشفاهي رافدا أساسا لصورة التاريخ، فهو يستكمل ما نقص من صورة الحدث بإضافة تفاصيل صغيرة أو كبيرة، فردية أو جماعية، لكنها كاشفة لطبيعة العصر أو شخوصه.
التاريخ الشفاهي حقل دراسي حديث نسبيا يحاول استدراك هذا النقص، ليسجل ما غفل عنه التاريخ الرسمي أو الدراسات المختلفة التي تعتمد مصادر مكتوبة.. ومثله ما يُدعى بالتاريخ المُصغَّر ( Micro History). الذي يلتفت لحالات خاصة لها حضورها في التاريخ السياسي والاجتماعي، ومن أمثلة ذلك حياة الفنان ومحطاته المختلفة، فهو شخصية اجتماعية مؤثرة في العموم ولمحطات حياته حضور خاص وكاشف في سياق اجتماعي عام.
التاريخ الشفاهي، سواء اتصل بشخص أو جماعة هو محطات متنوعة يتم تداولها شفاهيا في الغالب، ولا تجد طريقها إلى التدوين الجاد والمنظم وبغيابها تغيب عن التاريخ الاجتماعي ملامح بارزة تشكل صورته الفسيفسائية العامة، وهكذا تحرم الأجيال التالية من معرفة حكايات ومواقف وصور يُحتاج إليها للوقوف على سمات الماضي وطبيعة نبضه الاجتماعي والثقافي مقارنة مع الحاضر وخصائصه الاجتماعية المعاصرة.
كل هذه الأفكار تتوالى في الذهن وأنت تستمع إلى سرديات الفنان محمد محسن عطروش، وترى أنه متحف فني ناطق، وذاكرة شيقة لأحداث متنوعة ذات نكهة خاصة، إنه ببساطة إرشيف شفوي مذهل وغزير لمحطات فنية واجتماعية بل وسياسية. .
قد تجد ذكريات عطروش طريقها الى جمهور صغير يسمعها في جلسات مختلفة، ويتم تناقلها بقليل أو كثير من المبالغة أو التحريف، بل إن راوي الحدث نفسه قد يغير ويبدل إن كان الحدث بعيدا أو أصاب ذاكرته ضعف بحكم الزمن.. أو تدخلت عوامل تغري بالمبالغة والكذب، وثمة محطات تحتفظ بها الذاكرة كما وقعت إن كانت لها طبيعة استثنائية لا تتكرر كاللقاء بزعيم محبوب ومشهور مثل الزعيم جمال عبد الناصر.
***
وفي مقيل جديد مع الفنان عطروش في منزل الأستاذ عبد الرؤوف مرشد الكائن على ربوة مُنيفة في قرية حدة في صنعاء.. أخرج عطروش من رف ذكرياته ما أدهش وأذهل، فعطروش رغم سنواته ال ٨٤ فإن ذاكرته ما تزال بخير ، وما تزال حواسه كلها جيدة الحضور.
سرعان ما يدرك السامع أن عطروش مثقف كبير، عميق النظر الى الحوادث من حوله، وكل ما يسرده يسرده بوعي حاد وبفن حكائي جذاب، يجعل له المقدمة والحبكة والإدهاش، فيمتع السامعين بما يرويه من حوادث وذكريات.
يسرد أحداثا بأسماء رجالها أو نسائها ويسرد أشعار أغانيه بذوق لغوي لافت، ويروي مناسبات تأليفها فيتألق كل شيء في فمه وكأنه يغني جالسا بدون موسيقى، وتتسلل إلى أدمغة الحضور صور بديعة لأيام مضت كانت الحياة فيها أبهى وأجمل، وكان للفن فيها حضور وتألق.
عطروش فنان مثقف وله إلمام بالتاريخ حين يكون موضوع الحديث محتاجا لاستقدام أصوله الغائرة في أعماق التجربة الإنسانية مثل الحديث عن الموشحات الأندلسية مثلا أو بدايات الموسيقى وتطورها.
تترابط الأحداث في فم عطروش وتتشابك وكل حادثة مهما بدت صغيرة تسلم إلى أخرى أهم وكأنه يرسم فسيفساء اجتماعية متناغمة، غايةً في الجمال والإدهاش، ومن ذلك قصة لقائه بالزعيم جمال عبد الناصر ..
لا يمكن بتر هذا اللقاء عن خلفياته المثيرة المرتبطة بما جرى في لحج وأبين.. فقد ذكر عن سلطان لحج فضل عبد الكريم، أن سنوات حكمه (1947-1952) اتسمت بالشدة والقسوة والتقلبات السياسية العنيفة، ففر كثير من أهل لحج ممن طالتهم القسوة تلك، وكان منهم الأستاذ الشاعر صالح بامعافى الذي فر إلى أبين، وهو الذي كتب أبيات شعر حماسية سلمها لعطروش. يقف عطروش هنا ويقول إنها أول أبيات سلمت له كي ينشدها .. وهي قليلة… فرح بها ولحنها ثم أنشدها في حضرة سلطان أبين أحمد عبد الله الفضلي الذي نُصّب سلطانا لأبين في حفل بهيج عام ١٩٦٢. تحتفي القصيدة بالشباب العربي والعرب وقد أسمع كلماتها عطروش للحاضرين، يقول مطلعها : حي الشباب العربي.. حي ابن امي وأبي.. وخاتمتها : سيحررون بلادهم .. رغم الدخيل الأجنبي..
غضب سلطان أبين من البيت الأخير، بحكم ارتباطه باتفاقية حماية مع المحتل الانجليزي في عدن، وخشي عاقبة السماح للكلمات المناهضة للاستعمار بأن تُغنى في حضرته، لذلك أصر على معرفة كاتبها. استدعى السلطان عطروش وسأله عن مؤلف الكلمات فادعى عطروش أنها من تأليفه حماية للشاعر من أذى السلطان، لم يصدق سلطان أبين أن الكلمات لعطروش، لكن عطروش واصل الإصرار أنها من تأليفه، فعوقب والد عطروش الحاج محسن عطروش بإبعاده عن إمامة المسجد.. وظل السلطان غاضبا يتوعد عطروش بألوان التنكيل إن لم يفصح عن قائل الأبيات، وأبى عطروش أن يكشف صاحبه..
ثم تدخل مقرب من السلطان هو الشيخ سالم البريكي، وأخبره بأن عطروش شاب غر وأنه لا يجوز للسلطان أن يدخل في شجار مع شاب صغير ، فهذا ليس مقامه وأن عطروش مستعد للاعتذار لأنه لم يكن يدري ما ستسببه الكلمات من أذى للسلطان.. وزاد على ذلك رأيا صب في مصلحة عطروش وهو أن يبعد الشاب عطروش عن أبين ويرسل في منحة الى مصر لاستكمال دراسته هناك وهكذا يغيب نهائيا عن نظر السلطان ويهدأ باله ويزول قلقه.
وافق السلطان على الفكرة وتم تجهيز كل شيء وسافر عطروش إلى مصر لاستكمال الدراسة الثانوية.. ما رواه عطروش هنا عن مواقف السلطان أحمد عبد الله الفضلي يرتبط بمرحلة حكمه المبكرة أوائل الستينات، لكنه بعد ذلك ترك الحكم وانضم للثوار المقاتلين ضد الاستعمار البريطاني وقابل عبد الناصر الذي مدح مواقفه الوطنية كثيرا وعُرِف بالسلطان الثائر، وتوفي في مصر في اكتوبر ٢٠٢١. ودفن في مسقط رأسه ..
وفي مصر كان عطروش من العشرة الأوائل في الثانوية العامة .. وروى أنه كان من عادة الزعيم ناصر أن يقابل العشرة الأوائل لتهنئتهم، ومن كلامه يفهم أن هذه المقابلة كانت فردية وليست جماعية.. حُدد موعد المقابلة مع عبد الناصر، وكان عطروش قبل ذلك قد كتب قصيدة في حب عبد الناصر ولحنها ودرب عليها أحد تلامذته هو الفنان محمد صالح العزاني فغناها واشتهرت الأغنية في ربوع اليمن.
تقول كلمات الأغنية أو بعضها:
من فوق جبل شمسان
أنا شايف صبر يضحك لبرج القاهرة
وامسيت انا سهران على ذاك اللقا
وامست عيوني ساهرة
وشفت فوق السحاب اسمر
يحليه المشيب
اسمر يسمى جمال
للعُرْب أوفى حبيب
شفديك انا ياجمال
وفي يوم لقاء عبد الناصر يقول عطروش إنه ذهب مصطحبا معه شريطا فيه الأغنية ومظروفا بداخله القصيدة التي ألفها عن عبد الناصر. وفي بوابة قصر القبة خضع للاجراءات الأمنية المعتادة فطلب منه الحراس تسليمهم الشريط والمظروف ليوصلوهما هم لعبد الناصر. يقول عطروش إنه رفض تسليم الشريط والمظروف وأصر أن يسلمهما يدا بيد لعبد الناصر. وبعد إصرار الطرفين على موقفيهما واقتراب موعد اللقاء، رافقه أحد الحراس وأدخله على عبد الناصر واستبق القول بأنه رفض تسليم ما في يده لإبراء ذمته الأمنية أمام عبد الناصر، ابتسم جمال وقال (معليش معليش سيبه)، فسأله عبد الناصر ما الذي في يده فأخبره بأنه كتب قصيدة ولحنها وغُنيت وهذا تسجيل لها وهذه هي القصيدة.
ويواصل عطروش أن عبد الناصر فتح المظروف وأخذ يتبسم وهو يقرأ، ثم سأل من مؤلف الكلمات فأجاب عطروش بأنه من ألفها، والخط؟ خط من هذا؟ فيجيب عطروش بأنه خطه، فعلق عبد الناصر منبهرا من جودة الخط بأن هذا أجمل من خطوط المطبعة..
وخلاصة لقائه بعبد الناصر ( وقد فصل فيه عطروش بمتعة واعتزاز) أن عبد الناصر ارتاح للشعر ، وقبل أن يستمع الى الأغنية دخلت مجموعة رجال فيهم ضابط يلبس بدلة عسكرية بيضاء، تبين لعطروش فورا أنه معمر القذافي، فوجئ القذافي بوجود عطروش فصرخ ( عطرووووش) فاندهش عبد الناصر لمعرفة القذافي بعطروش فقال القذافي نعم نعرفه وأثنى على عطروش ومواقفه القومية والوطنية وقال مخاطبا عبد الناصر( هذا القُصَيِّر، تحته ستين متراً). وكان عطروش قد حكى في مناسبة أخرى لقاءه بالقذافي، وما سبب له من متاعب يومها مع بعض رجال السلطة في عدن، ليس هنا محلها.
***
سأله عبد الناصر بعد هذا، ما الذي يمكنه أن يقدم له فقال لا شيء إنه يتمنى له العافية والانتصار وقال ( نريدك منتصرا، نريد أن نفرح .. نريد أن نفرح، فقد طال غياب الفرح عنا، وأنت المؤمل والمُرتجى. تأثر عبد الناصر بكلمات عطروش .. وأعاد عليه السؤال وماذا يمكنني أن أقدمه لك.. قال أريد أن التحق بجامعة القاهرة قسم أدب انجليزي وبالمعهد العالي للموسيقى.
تبسم عبد الناصر وقال هنا في مصر تجري الأمور وفق قواعد محددة ولكل طالب مقعد واحد فقط وعلى رأي المثل “صاحب البالَين كذاب”.. ومع ذلك سنستثنيك إكراما لك ونسجلك في جامعة القاهرة والمعهد العالي للموسيقى، ونجعل لك منحة مالية شهرية دائمة لك ولمن يأتي بعدك من أهلك أخ أو ولد. وقرر أن يمنحه عشرين جنيها شهريا وهو مبلغ كبير يومها وقد استمرت هذه المنحة فعلا زمنا بعد إنهاء عطروش الدراسة الجامعية ولم تنقطع كما قال الا بعد أحداث حلوان التي لم يفصل فيها، وقد استلم خطابا رسميا بانتهاء المنحة.. وهنا وقف قليلا ليقول إن كل شيء في مصر مرتب ويتم وفق أصول إدارية، فهناك دولة بحق، فلم تنقطع المنحة هكذا فجأة بل بخطاب رسمي..
وأقسم عطروش في ختام حديثه أن هذا ما حدث وأنه لم يزد كلمة من عنده..
رحم الله عبد الناصر وسُقياً لأيام العروبة تلك التي رسخت إحساسا جميلا بالانتماء الى وطن عربي عام ومصير مشترك.. وقد أحببت أن أدون ما سرده عطروش في هذا اللقاء للإسهام في حفظه، على أمل أن تلتفت قنوات التلفاز اليمنية لتسجل حلقات متتالية لعطروش لتستخرج ما في ذاكرته من حكايات وأحداث، فهو بحق إرشيف فني مذهل واجتماعي وسياسي أيضا.
(أحمد السري ٢٠٢٤.٦.٩)