شارك الخبر
ـــــــــــــــــــــــــــــ عيدروس نصر
كان قرار العودة إلى عدن ثم أبين عن طريق العسكرية-ردفان وفي إدار هذا الخيارات عدة خيارات منها طريق العمري-تنحرة وهو الأقصر، وطريق رصد معربان العسكرية، وهو أطول نسبياً لكن هناك ما هو أطول منه، وهو طريق جبل اليزيدي – يهر العسكرية . .إلخ، فقررنا هذا الخيار لعدة أسباب منها تحويل الرحلة إلى نزهة والتعرف على المتغيرات في منطقة هي الأكثر عمراناً على الطريق وفيها تنتشر القرى الجديدة ومزارع البن والتنوع التضاريسي: أودية، شعاب، جبال نجود (جمع نجد وهو الطريق صعوداً من الوادي إلى الجبل أو العكس نزولاً).
انطلقنا من المنزل عند حوالي العاشرة صباحا عبر طريق جبل محرم – رهوة ثمر – رصد -السعدي، وهذا الطريق الجبلي يختصر لنا أكثر من ساعة، من الطريق التقليدي وادي رخمة – رُصُد – السعدي، وبالمناسبة فإن هذا الطريق تم شقه بجهود الأهالي، بدعم من طيب الذكر الشهيد أحمد سيف اليافعي حينما كان نائباً لقائد المحور الشرقي.
ومن أعلى وادي رصد صعدنا رهوة جار المعروفة، فوادي السعدي ثم شعب البارع فحمومة عبر الطريق المعروف للجميع، ومن ثم الصعود عبر نجد أعلي حمومة – الوَطَح – جبل لمطور – جبل اليزيدي، ثم النزول عبر نقيل الخلا وادي يهر حتى العسكرية حيث تناولنا وجبة الغداء هناك، لنواصل الرحلة عبر حبيل الجبر الحبيلين العند الحوطة صبر حتى عدن الذي توصلنا إليها حوالي الساعة لخامسة عصراً.
في سوق السعدي توقفنا للتزود بالماء وأي شيء للأطفال، وفي البقالة استوقفني البائع ليسألني، من أين أنت؟
أردت أن أداعبه فقلت له، من تونس وحاولت أن أشترى منه شيئاً ، لكنه عاود ليسألني: أيش اسمك؟ قلت له وأنت أيش أسمك؟
قال لي فلان العبادي.
قلت له في عبادي في السعدي؟ الذي أعرفه أن العبادي في يهر ولبعوس والموسطة وربما في رباد السنيدي وجبل السنيدي؟
لكنه عاد ليسألني بالله: أيش اسمك،
قلت له عيدروس نصر
وهنا نط الرجل من مقعده وأخذني بالأحضان وبدأـ حفلة الشكر والثناء والامتنان من قبل الرجل وكأنني قدمت له ما لا أعلم من الجمائل، واستحلفني بالله أن أقبل منه عزومة على الغداء.
شكرته واعتذرت له لأني مع الأسرة والأولاد وأختي المريضة وحفيدها الذي كان صاحب سيارة النقل التي تقلُّنا!
قال لي مش مشكلة ! كلكم ضيوفي اليوم
في هذه الأثناء تصادف قدوم زميله الذي ما إن رآني حتى أخذني بالأحضان، وراح يسرد لي قصة عن قبوله وزملائه في المدرسة الإعدادية حينما كنت مديرا لها في العام 1979م ويتذكر بامتنان تفاصيل الحدث والعون الذي يقول أنني قدمته لهم، . .والحقيقة أنني قد نسيت هذا الحدث من بين آلاف الأحداث التي توارت من الذاكرة مما جرى قبل أربعة عقود ونيف وراح يكرر ما سبقه زميله باستحلافنا أن نقبل دعوته للغداء عنده.
استطعنا بصعوبة الفكاك من كرم الزميلين الذين كانا مصرين على أن يستضيفانا على الغداء، لنواصل الرحلة صوب هدفنا النهائي.
أبرز ما يمكن رصده في هذه الرحلة هو:
1. تزامنت الرحلة مع موسم الصيف المقرون بهطول الأمطار الموسمية ومن ثم اكتساء الأرض بحلة خضراء من الأعشاب والحشائش والأشجار التي تستعيد خضرتها بعد أن افتقدتها خلال مواسم الخريف والشتاء، وهذه الحلة الخضراء صحبتنا طوال رحلتنا من الانطلاق حتى بلغنا مشارف الحبيلين، مع بعض التقطع في المناطق الصخرية أو المناطق الجرداء وهي قليلة جداً .
2. ازدهار الحركة العمرانية على طول خط رحلتنا حيث كبرت القرى واتسعت دائرة العمران ونشأت قرى ومحلات جديدة، كما اتسعت الأسواق ومحلال البيع، ويشمل العمران بيوتاً عالية مرتفعة ومنازل بطابق أو بطابقين، لكن أهم ملمح لهذه الحركة أن معظم المنشآت السكنية الجديدة تقع على جانبي الطريق التي كانت حتى ما قبل عقد أو عقد ونصف عبارة عن فلوات أو مزارع صغيرة.
3. ورافق اتساع حركة العمران تمدد الطرقات واتساع شبكاتها لتشمل الكثير من المناطق التي ظلت محرومة من هذه الخدمة الأساسية والحيوية، وخصوصا القرى الوقعة في الشعاب وبطون الجبال وقممها، وهذا ما وفر على الناس الكثير من المعاناة، والأتعاب التي ظلو يتعرضون لها أثنا عملهم أو سفرهم أو نقلهم لحاجاتهم الضرورية أو نقل مرضاهم للاستشفاء (وهو ما سبق وإن تعرضنا له في منشور سابق)، وأشير هنا إلى أن هذا التوسع في الطرقات قد تم بمبادرة الأهالي واعتمادهم على مواردهم الخاصة، دون أي تدخل من قبل السلطات الرسمية، وقد بلغني أن بعض رجال الأعمال من المغتربين والمقيمين قد تبنوا بأنفسهم أنجاز بعض الكيلومترات شقاً ورصفاً وتعبيداً وهو ما يستحقون عليه أسمى معاني التقدير والثناء.
4. تراجع المساحات المزروعة بالبن: كنت قد أشرت إلى حالة التراجع في زراعة الحبوب وانكماش المساحة الزراعية في المناطق الجبلية، في المدرجات على وجه الخصوص، ووصل الإهمال إلى بعض الأودية، وحيث إن معظم المناطق التي مررنا بها يوم سفرنا كانت مناطق مشهور بزراعة البن، وخصوصاً مناطق في وادي السعدي وشعب البارع، وحمومة ويهر، فقد لاحظنا ذلك الانكماش والتقلص، في المساحة المزروعة بالبن، وحل محل أشجار البن بعض النباتات الأعلاف والحبوب، وبعضها حلت شجرة القات محل البن.
وأشير إلى وادي حمومة، الذي يقع بين منطقتي اليهري واليزيدي، حيث كانت طريق السيارات حتى وقتٍ غير بعيدٍ تمثل أخدوداً صغيراً بين غابة البن التي تقع على جانبي الوادي، اليوم لم تعد تشاهد من أشجار البن إلا شجيرات متناثرة هنا وهناك، وقد عرفت من الأهالي الذين التقيناهم أن السبب في انكماش المساحات المزروعة بالبن يعود إلى عدة عوامل أهمها الجفاف في بعض السنوات الذي أدى إلى موت أشجار البن، ثم الإهمال من قبل الجيل الجديد من المزارعين، وعدم العمل على استبدال الأشجار الميتة بشتلات جديدة، وقد ساهم في ذلك هجرة الشباب القادرين على العمل، وشيخوخة الجيل المتصل تاريخيا بزراعة البن ورعايته.
وفي بعض المناطق استبدلت شجرة البن بشجرة القات اللعينة، بكل أسف، لتقضي الأخيرة على الأولى ، وهو ما يستدعي جهودا استثنائية وطويلة الأمد لاستعادة المكانة التاريخي لشجرة البن في هذه المناطق.
وللحديث بقية