شارك الخبر
د. عارف عبد
في مقابلة أحمد الشرع مع قناة (CNN) ذكر كلاما ذا أهمية بالغة بشأن الطائفة العلوية.
وقد كان كلامه من شقين:
الشق الأول: إرسال رسالة تطمينية إلى هذا الطائفة، بأن الثورة ليست ثورة طائفية تعبر عن طائفة تريد أن تستأصل بقية الطوائف، بل هي ثورة وطنية تدعو إلى التعايش السلمي بين مكونات الشعب السوري في إطار الوطن الجامع.. ومثلما تعايشوا على مدى التاريخ الإسلامي سيستمر هذا التعايش في ضوء الثقافة الوطنية المعاصرة، من: الوطن، والدستور والقوانين، والفصل بين السلطات، والانتخابات والتداول السلمي للسلطة، وحقوق الإنسان.
الرسالة الثانية: هي توصيف وضع الطائفة العلوية، فقد وصفهم بأنهم (مظلومون) في عهد الأسد، وركز من مظلوميتهم على شيء عملي وهو حياتهم المعيشية، فذكر أنهم مع أنهم دفعوا فاتورة بقاء الأسد في السلطة من دماء أبنائهم وعذاباتهم وجراحهم إلا أنهم في واقعهم المعيشي لا يختلفون عن بقيه الشعب السوري في المعاناة من الفقر والتخلف الحضاري.
في هذه النقطة كان حصيفا في خطابه فقال ما يريد أن يقوله بالإشارة، ولشرح ما أراد أن يقوله ينبغي أن نعرف معنى الظلم، فإن الظلم في اللغة هو وضع الشيء في غير موضعه الصحيح.. وهذه الطائفه قد وُضعت في غير موضعها الصحيح، والسبب في ذلك أن المستعمر وظفها لمواجهة الشعب السوري الذي كان يقاوم هذا الوجود الاستعماري، ثم رعاية مصالحه الاستعمارية بعد رحيله، فصنع لها جيشا ومخابرات ونفوذ قبل مغادرته..وهذه مهمه قذرة من جهة، وصعبة للغاية من جهة أخرى تُظلم فيها هذه الأقلية ظلما شديدا، إذ أن الوضع الطبيعي للأقلية أن تأخذ مكانها في خارطة الوطن وفق حجمها، بحيث تحافظ على حقوقها الوطنية دون أن تتنمر عليها الأغلبية، أما أن يُسلَّم لها الأمر كله بغرض إخضاع الأغلبية وكسر عزيمتهم التحررية فإن هذا تكليف بما لا يُطاق، إذ إنه يعني إدارة الشعب بالسجون والتعذيب والقهر والتشريد، ولا يمكنها القيام بوظيفتها هذه إلا تحت حماية المستعمر ودعمه وتملكه، فإذا تخلى عنها انكشفت أمام شعبها، وهو ما حصل.
طبعا المستعمر الذي وظفها هو المستعمر الفرنسي، مسترشدا باستراتيجية بريطانيا التي وظفت الأقلية الدينية اليهودية المشردة في الآفاق لحراسة مصالحها في الوطن العربي.
والاستعمار الفرنسي هو أغبى المستعمرين الثلاثة الذين تقاسموا تركة (الرجل المريض) بعد الحرب العالمية الأولى، وأضعفهم بعد الحرب العالمية الثانية، وهذا ما أدركته روسيا؛ فإنها هي التي قطفت ثمرة الاستراتيجية الفرنسية، فتحول النفود في سوريا من الاستعمار الفرنسي إلى الاستعمار الروسي.
ووفق هذا السياق نفهم رسالة ترامب الذي قال إن (النظام البائد في سوريا لا يستحق أن تُذرف عليه الدموع، وأن أمريكا ليس لها بهذه الحرب شأن) إنه يعني أن سوريا كانت باتفاقية (سايكس بيكو) تتبع الفرنسيين، ثم انتقل نفوذها إلى الروس، ولهذا فإنه سعيد بهذه الخطوة الثورية في سياق الصراع الحالي مع الروس وحلفائهم الإيرانيين، وربما سيتخذ الأنجلوسكسون (الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وإستراليا ونيوزلندة) وحلفاؤهم الكثر في العالم قرارا بإلغاء جبهة تحرير الشام من المنظمات الإرهابية.
والذي ينبغي أن نلاحظه أيضا أن (الرجل المريض) لم يمت، وإنما لا زال حيا يُرزق، ويلعب بذكاء خارق مع ورقة الصراع الروسي الأنجلوسكسوني.
وأهم من هذا كله ينبغي أن نعلم أن العرب ليسوا مجرد تركة يتقاسمها المستعمرون، بل هم أمة لم تمت، فلا زالت حية.. تثور وتتوق إلى الحرية والاستقلال والسيادة واستئناف مسيرتها الحضارية العصرية.. ولدمشق رميزتها الكبرى في نهضة العرب، فهي أول عاصمة لهم خارج جزيرة العرب، ولا تزال قصورهم ومساجدهم الأموية صامدة إلى هذه اللحظة، وصدق شوقي إذ قال في قائيته الدمشقية:
جَزاكُمْ ذو الجَلالِ بَني دِمَشقٍ
وَعِزُّ الشَرقِ أَوَّلُهُ دِمَشقُ
وَلِلأَوطانِ في دَمِ كُلِّ حُرٍّ
يَدٌ سَلَفَت وَدَينٌ مُستَحَقّ