شارك الخبر
كتب… حسن الكنزلي
في زمنٍ تُحاك فيه المؤامرات، وتُشن الحروب، وتُفرض الحصارات، تظهر “غزة” كشعلةٍ من نور، تثبت أن النصر ليس بالعدد ولا بالعدة؛ بل بالإيمان والصبر والتضحية. لقد وقفت “غزة” كالجبل الأشم في وجه أعتى قوى العالم، محاصَرةً ولكنها غير مكسورة، ضعيفةً في الظاهر ولكنها قوية بإيمانها وإرادتها. فكيف لا يكون انتصارا وهي التي جعلت عدوها يركع لشروطها بعد أن فشل في إبادتها؟! وكيف لا تكون نصرا وهي التي صمدت رغم كل المحن، وخرجت من المعركة وهي تحمل راية العزة والكرامة؟!
وقبل الخوض في تفاصيل انتصار “غزة”، لا بد أن نعود إلى المفهوم الحقيقي للنصر في الإسلام. فالنصر ليس مجرد انتصار عسكري أو مادي، بل هو مفهومٌ أعمق وأشمل. يقول الله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7]. النصر في الإسلام هو توفيق من الله، وهو ثمرة الإيمان والصبر والثبات على المبدأ. وقد جاء في الحديث الصحيح: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له» (
ظرواه مسلم]. وهكذا، فإن النصر قد يكون في الصبر، أو في الثبات، أو في تحقيق الأهداف المرجوة ولو بعد حين.
لقد كانت “غزة” مثالا حيا للنصر بمفهومه الإسلامي الشامل. فهي لم تكن تملك القوة العسكرية التي يملكها عدوها، ولا الإمكانات المادية التي تدعمها أقوى دول العالم، ولكنها امتلكت سلاحا أقوى من كل ذلك: الإيمان بالله، والإرادة الصلبة، والتضحية في سبيل المبدأ. لقد صمدت في وجه الحصار، ورفضت أن تستسلم، وواجهت كل المؤامرات بقلبٍ ثابتٍ وعزيمةٍ لا تلين.
لقد كانت “غزة” كالشجرة الطيبة التي لا تقتلعها العواصف. رغم الحصار المطبق، ورغم الدعم العالمي الذي تلقاه عدوها، لم تستسلم. وهذا الصمود في حد ذاته نصرٌ عظيم. يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: 45]. لقد ثبتت “غزة” وذكرت الله كثيرًا، فكان صمودها نصرًا على كل من أراد إبادتها.
لقد قدمت “غزة” تضحيات جساما في سبيل قضيتها. والتضحية في سبيل الحق هي من أعظم صور النصر. يقول صلى الله عليه وسلم: «من قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتل دون دمه فهو شهيد، ومن قُتل دون دينه فهو شهيد» [رواه أبو داود والترمذي]. لقد كانت “غزة” مستعدةً للتضحية بكل شيء في سبيل حريتها وكرامتها، وهذا ما جعلها تنتصر في النهاية.
لقد خرجت “غزة” من المعركة وهي تفرض شروطها على عدوها. وهذا نصرٌ بكل المقاييس. فالنصر ليس فقط في ساحة القتال؛ بل أيضا في ساحة المفاوضات. يقول تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال: 61]. لقد جنحت “غزة” للسلم من موقع القوة، فكانت شروطها هي التي تحكمت في النهاية.
لقد فشل عدو “غزة” في تحقيق أي من أهدافه، رغم كل الدعم الذي تلقاه. وهذا الفشل هو نصرٌ لـ”غزة”. يقول تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139]. لقد أذل الله عدوها، وجعله يركع لشروطها، وهذا من أعظم صور النصر.
أما أولئك الذين يتساءلون: “أي نصر حققت غزة؟”، فنقول لهم: اقرأوا التاريخ، وتأملوا في سنن الله في الكون. النصر ليس دائمًا بالسيطرة المادية؛ بل بالثبات على المبدأ، وبإذلال العدو، وبتحقيق الأهداف المرجوة. لقد انتصرت “غزة” لأنها صمدت، ولأنها ضحت، ولأنها جعلت عدوها يركع لها. وهذا هو النصر الحقيقي.
لقد كانت “غزة” مثالًا يُحتذى به في الصبر والإيمان والتضحية. لقد أثبتت أن النصر ليس بالعدد ولا بالعدة؛ بل بالإيمان بالله والثبات على الحق. فلتكن “غزة” درسا لكل من يشكك في نصر الله، وليعلم الجميع أن النصر في الإسلام أنواع، وأن الله ينصر من ينصره، ولو بعد حين. ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: 47].
والله تعالى أعلم!
ودمتم سالمين!