شارك الخبر
—-
#علي_صالح_الخلاقي
كنت محظوظاً أن أستلمت الجزء الأول من ثلاثية “بلاد الورس” طازجة فور صدورها عن مطابع “يسطرون”، حينما فاجأني بها صديقي بدر الصلاحي أثناء وجودي بالقاهرة مطلع يناير الماضي، وعلى الفور لفت انتباهي قبل كل شيء الاسم الموحي “بلاد الورس”، الذي شعرت بقربه إلى نفسي، وأدركت أن المقصود “بلاد يافع”، التي اشتهرت بزراعة الورس واستخدامه أصباغاً لزينة النساء وعلاجاً للجروح وللكلف وبعض الأمراض، قبل أن تقضي عليه البدائل المستوردة، كما استهوى فؤادي العنوان الفرعي “أفئدة الطير”. فوجدت نفسي من الوهلة الأولى مشدوداً لمضامين هذا العمل وأخذت التهم محتوياته كاملاً خلال ليلتين من ليالي الشتاء في قاهرة المعز،وشعرت أنني في حضرة كاتب مبدع، متألق الذهن، صاحب قلم سيال يحسن الكتابة ويمتلك أدواتها ويوجه بوصلتها نحو أهدافها التي رسمها دونما مداراة أو تكلف وتعقيد.
“بلاد الورس”.. ليست رواية عن عالم وهمي ابتدعه المؤلف، بل إطلالات على مراحل وألوان من حياة عاشها الناس، زاخرة بالحياة والحركة، قدمها لنا بأسلوب مشوّق الكاتب المبدع نبيل عثمان بن سلام ، القادم بقوة في الساحة الأدبية،في هذا العمل السردي الجميل الذي يقع جزءه الأول “أفئدة الطير” في 322 صفحة من القطع المتوسط، وجمع فيه كل شاردة وواردة عن “بلاد الورس” بريشة مصور واقعي، إذ جمع بأفق معرفي واسع بين الرواية والتاريخ الاجتماعي العام دون أدنى مبالغة في سرد الأحداث، فنتعرف على كثير من تفاصيل المجتمع الريفي بما يزخر به من العادات والتقاليد والفولكلور والمناسبات الاجتماعية والدينية والقضايا الاجتماعية بظواهرها ونماذجها الإيجابية والسلبية، ومكانة الزراعة في بلاد الورس بمدرجاتها الجبلية وتضاريسها القاسية، وصلابة أهلها الذين طوَّعوا كل ما حولهم لصالحهم، ثم نعرج على أثر التحولات السياسية والاقتصادية التي ألقت بظلالها على المجتمع، وتأثير الهجرة في تغيير حياة ونمط المعيشة وفي ظهور علاقات غير متكافئة أخَلَّت بروابط الأسرة والمجتمع المألوفة منذ قرون، وذلك دون شك أثر المظاهر الحضارية التي تجرف في طريقها الكثير من القيم والأعراف الاجتماعية..
ومما راقني أن المؤلف جمع في ثلاثيته بين سعة الإطلاع وعمق التفكير وبراعة التعبير، وهو يستنطق أبطاله على السجية في سرد جميل، ويتنقَّل بنا بأريحية إلى قرى “بلاد الورس” التي ألفناها ، في سبعينات وثمانينات القرن العشرين، من خلال وصفه الدقيق لمشاهد الحياة المألوفة مقتنصاً الكثير من تفاصيلها، بحيث نشعر ونحن نتنقل معه وكأننا أمام خيوط حية من نسيج حياة جيلنا، وكأنه يتحدث بلساننا، وبمشاعرنا، وعن قرانا بلحمها ودمها وروحها، بروعة طبيعتها، وقساوة ووعورة مسالكها الجبلية، وصلابة أهلها، مع قيمهم وعاداتهاتهم وصراعهم مع الحياة.. حيث تطل علينا شخصيات أليفه، نجد لهم شبهاً في حياتنا.
وحين تواصلت مع المؤلف النبيل باركت له هذا العمل الجليل وابلغته إعجابي وانبهاري بباكورته الأدبية الممتعة، فزاد من كرمه وبعث نسخة PDF من الجزء الثاني من “بلاد الورس” والموسوم بـ”بيت الورس” المكوَّن من 145 صفحة، فقرأتها بذات النهم منذ بدايتها وحتى نهايتها، وشممت في تلك الصفحات عَرْف الحنَّاء ورائحة الهدس (الآس) الزكية ، ونفحة (الكِباء) الذي تطيب به أواني حفظ اللبن، ونكهة السّمن البلدي برائحته التي تفوح في محيط القرية أثناء تحضيره فتتلقفها حاسة الشم من مسافة بعيدة، كما انتصبت أمام ناظري تلك ألأدوات المنزلية التقليدية التي احتفظ بها في “بيت الورس”، ومراسيم الاحتفاء بالأعياد وصولا إلى عزومة الوداع، وغير ذلك من التفاصيل المترسخة في تلاليب الذاكرة التي لا يسمح المجال للحديث عنها. وقد علمت من المؤلف أن الجزء الثالث الموسوم باسم “بتول بيت الورس” جاهز للطبع، وبهذا يكون قد أنجز ثلاثيته التي تحتوي على 600صفحة.
من بين شخصيات الرواية تأسرك شخصية البطل “لبيب”، والشخصية المحورية الفريدة العم قاسم بصفاته النبيلة الجامعة، مصلح اجتماعي، مزارع، فلكي، نحال، طحّان، وله بصماته في النضال ضد الاستعمار، والأهم من ذلك رب أسرة مثالية، وكذلك زوجتيه المثاليتين نعمة وسبولة، ولعله من الاجحاف محاولة تلخيص مضامين الرواية أو الحديث عن كل شخصياتها، خشية الإطالة، وحتى لا أفسد على القارئ متعته وهو يبحر في مضانها، بأجزائها الثلاثة، ففي محتواها نواة لأكثر من كتاب استطاع أن يجمعها ويقدمها لنا بأسلوبه البليغ الوهاج والمتدفق، وكلماته المهذبة التي تدخل القلب دون استئذان. وهذه مجرد تحية للكاتب القادم إلينا من “بلاد الورس”، وترحيب بباكورته الأدبية التي حرص على تنوع مضامينها السردية، يتنقل بنا كالطير من فنن إلى فنن، يروي الأحداث بجزئياتها وتفاصيلها كما عاشها بطله “لبيب” بحيث يتّصل بعضها ببعض مع مراعاة التسلسل الزمني لحدوثها، وإذا بنا أمام وحدة واحدة.
وختاماً أقول بثقة: تذكروا جيداً هذا الاسم نبيل عثمان بن سلام الذي يلمع ويتلألأ نجمه الأدبي بقوة، فسيكون له شأن في قادم الأيام في فضاء السرد الأدبي، إذا ما واصل طريقه بمثل هذه البدايات الرائعة والمشجعة، التي نحتفي بها اليوم، وهو ما نتمناه.
عدن
8فبراير2025م