شارك الخبر
الحلقة الرابعة والأخيرة
د . علوي عمر بن فريد
بعد حرب 1994 التي انتهت باجتياح قوات الشمال لأراضي الجنوب العربي دخلت البلاد في مرحلة جديدة من الاحتلال المباشر، تحت غطاء ما سُمّي بـ”الوحدة اليمنية”. لم تكن النتيجة توحيدًا لشعبين، بل كانت هيمنة صارخة لمركز نفوذ شمالي على مقدّرات شعب الجنوب، وإلغاء تام لصوته السياسي والتشكيك في هويته ضمن حملات تشهير ” أن شعب الجنوب ما هو سوى جاليات هندية وصومالية” وأنكرت تاريخه وهو متجذر في الجنوب منذ عهد قوم عاد ونبي الله هود وتاريخه وحضارته تشهدان بذلك. ولم تكن تلك الحرب نهاية صراع، بل كانت البداية الحقيقية لمشروع استعماري جديد مارسته سلطة صنعاء بحق الجنوب العربي أرضًا وإنسانًا.
– الإقصاء السياسي وتفكيك بنية الدولة الجنوبية
فور إعلان انتهاء الحرب، بدأت سلطة صنعاء بتفكيك المؤسسات الإدارية والعسكرية والأمنية للجنوب. وجرى تسريح آلاف العسكريين الجنوبيين من مختلف الرتب، وقاموا بنقل الموظفين من مؤسساتهم وتم استبدالهم بموظفين من الشمال، في عملية استئصال ممنهجة لهوية الجنوب العربي في مؤسسات ما يسمى “الجمهورية اليمنية”.
– تم إلغاء الهياكل المؤسسية للجنوب.
– أُقصي القادة الجنوبيون من المشهد السياسي وتمت محاكمتهم أو نفيهم.
– غابت أي شراكة حقيقية في السلطة، بل أصبح الجنوب تابعًا لحكم العصابة الزيدية التي تحتكم لأعراف ذبح الأبقار وبضع رشاشات لترضية الخصوم واختزال مطالبهم فيها، متسلطين على الشمال والجنوب بمركز القرار في صنعاء.
لقد أصبح الجنوب بعد 1994 مجرد تابع إداري، بلا تمثيل فعلي في مراكز القرار، بل تم توظيف فكرة “الوحدة” كذريعة لوأد أي صوت جنوبي يطالب بالكرامة أو المساواة والشراكة.
– نهب الموارد واحتكار الثروة
ربما لا توجد صورة أوضح للهيمنة مما جرى في الملف الاقتصادي، حيث تحوّل الجنوب إلى مخزن للثروات، تستخرج منها لتصبّ في خزائن الشمال.
النفط والغاز: حقول النفط الرئيسية في شبوة وحضرموت أصبحت تحت إدارة سلطات صنعاء، وحرمت المحافظات المنتجة من أي نسبة عادلة من العائدات.
الموانئ البحرية: جرى تهميش ميناء عدن، الذي كان في السابق أحد أنشط الموانئ في العالم وكان يحتل المرتبة الثالثة في العالم ، وتم إغلاقه لصالح ميناء الحديدة الذي يخضع لسيطرة الشماليين.
الضرائب والجمارك: تم تحويل العائدات المالية إلى صنعاء، بينما بقيت مدن الجنوب تعاني من تدهور الخدمات الأساسية والبنية التحتية.
لقد أصبح الاقتصاد الجنوبي مكبلًا بيد العصابة الشمالية فاسدة، وظيفتها الأساسية الاستحواذ والابتزاز والتفقير، في حين بقي المواطن الجنوبي يرزح تحت وطأة الإقصاء الاقتصادي.
– تدمير متعمد للهوية والتنمية
لم تكتفِ السلطة الشمالية بالهيمنة السياسية والاقتصادية، بل سعت لتدمير الهوية الجنوبية، عبر:
– فرض مناهج تعليمية تمجّد “الوحدة” وتشيطن تاريخ الجنوب العربي.
– طمس الرموز الوطنية الجنوبية وتغيير أسماء الشوارع والمعالم.
– إهمال مدروس لمشاريع التنمية في الجنوب مقابل إنفاق متزايد على مناطق النفوذ في الشمال.
هذا التدمير لم يكن عشوائيًا، بل جاء ضمن مشروع طويل المدى لتذويب الشخصية الجنوبية واستبدالها بهوية مفروضة تتناسب مع مركزية الحكم في صنعاء.
– الجنوب كغنيمة حرب
في العقلية التي حكمت اليمن بعد 1994، لم يكن الجنوب طرفًا في دولة، بل غنيمة حرب. جرى توزيع أراضيه وثرواته بين مشايخ وقادة عسكريين من الشمال:
– الأراضي في عدن وأبين وحضرموت بيعت أو نُهبت بأوامر من رموز الحكم.
– تحولت عدن، التي كانت يومًا عاصمة حضارية واقتصادية، إلى مدينة مهمّشة تحت وطأة الاهمال التنموي والعبث الأمني.
لم يكن هذا الواقع ليقبل به الجنوبيون طويلًا. بدأت المقاومة السياسية والشعبية مبكرًا، في صورة احتجاجات سلمية ومسيرات عارمة، تطورت لاحقًا إلى حراك جنوبي منظّم، ومن ثم إلى مشروع وطني واضح يسعى لاستعادة الدولة الجنوبية كاملة السيادة.
ما بعد 1994 لم يكن وحدة، بل احتلالًا متلحفاً باسم “الجمهورية اليمنية”. والعدالة تقتضي اليوم أن يُعاد الحق لأهله، وأن يُمنح الجنوب فرصته في تقرير مصيره، على أسس من العدالة والكرامة واستعادة الهوية.