شارك الخبر
ـــــــــــــــــــــــــــــــ عيدروس نصر
نجح برنامج “اليمن بودكاست” الذي يعده ويقدمه أحد الإعلاميين الشباب في التوقف عند الكثير من القضايا المهمة، وبعضها من المسكوت عنه في التاريخ السياسي اليمني في الشمال والجنوب، من خلال العديد من اللقاءات مع شخصيات شمالية عديدة بعضها ذات تخصصات مهنية وبعضها من الشخصيات السياسية، وحينما استضاف شخصية أو شخصيتين جنوبيتين كان أكثر الحديث يدور عن الصراعات والسلبيات (الحقيقية والمفبركة) في التاريخ الجنوبي، وتبدو محطة 13 يناير وكأنها كل التاريخ الجنوبي، وكأن لا شيء في تاريخ الجنوب غير 13 يناير، وهي الأحداث المؤسفة بطبيعة الحال التي دامت قرابة ثلاثة أسابيع، حتى توقفت المواجهات وهذه الفترة (المؤلمة والمؤسفة بطبيعة الحال) لا تساوي 1% من واحدة من الحروب الشمالية-الشمالية التي لم تتوقف حتى اليوم، لكن الإعلام المهيمن عليه من قبل الأشقاء الشماليين لا يمرُّ عليها إلا كمرور سحابة الصيف ولا يعيرها 5% مما يعيره لأحداث يناير (المشؤوم) في الجنوب، وإن لم يكن هذا هو موضوع حديثنا اليوم.
* * *
فبالعودة إلى عنوان هذا المنشور يمكنني أن أشير إلى اللقاء الذي كان ضيفه الزميل الأستاذ علي محمد الصراري مستشار رئيس الوزراء للشؤون السياسية والذي ما يزال عضواً في المكتب السياسي للحزب الاشتراكي اليمني، اللقاء الذي خُصِّصَ لتأريخ حركة اليسار في اليمن.
والحقيقة لا بد من الاعتراف للزميل الصراري بأنه قد كان منصفاً عند تناوله لتاريخ التجربة السياسية في الجنوب، وما حققته من إنجازات وما تعرضت له من سلبيات وتعرجات، كما يمكن أن يحدث مع أي تجربة سياسية في دولة نامية حلم أهلها بالتقدم والنهوض والعدل الاجتماعي والمواطنة المتساوية، كما كان الزميل الصراري مقنعاً ودقيقاً في توصيف نشوء حركة اليسار في جنوب اليمن أو في شماله، سواء من حيث البدايات المبكرة هنا وهناك قبل الثورتين سبتمبر وأكتوبر أو بعد تبلور ظاهرة اليسار ونشوء التحالفات اليسارية التي انتهت بقيام حزب اشتراكي يمني واحد في الشمال والجنوب في نهاية العقد السابع من القرن المنصرم.
وهذه القضية في نظري يقع على مؤرخي اليسار وعلى رأسهم مؤرخي الحزب الاشتراكي اليمني وقياداته أن يتوقفوا عندها وقفةً تقييمية ونقدية لاكتشاف ما أصابت فيه وما أخطأت، بعيداً عن عواطف التحيز أو حساسيات الامتعاض فهذه التجربة لا يمكن المرور عليها كحدث احتفاليٍ عابرٍ خالٍ من المجازفات والمخاطر والشطحات والميول الذاتية والتمنيات العاطفية وما أدت إليه من نتائج ليست دائما حميدة ومرغوبة، ومنها ما يأتي في إطار ما يسمى في الأدبيات السياسية بثقافة “حرق المراحل”.
لقد بدا الزميل الصراري دقيقاً وموضوعياً، وقارئاً جيداً للتطورات والمعطيات والمتغيرات السياسية والاجتماعية وحتى الانتروبولوجية على الصعيدين المحلي والإقليمي وعلى الصعيد الدولي وهو يتناول تاريخ الحراك السياسي في جنوب اليمن وشماله، مما يبين أنه يعيش الأحداث ويتعلم الدروس ويستخلص العبر ويبني في ضوء كل هذا قناعات سياسية جديدة تتواكب مع كل هذه المعطيات والمتغيرات.
لكنه بدا عكس ذلك حينما جاء تناول المرحلة التي تلت حرب 1994م العدوانية على الجنوب، سواءٌ عند السؤال المتعلق بوضع الحزب الاشتراكي اليمني ما بعد الحرب الظالمة أو تلك النتائج الكارثية التي تعرض لها الجنوب والجنوبيون بفعل نهج الحرب الذي تواصل ما بعد اجتياح الجنوب، وبلغ حد إيصال سياسات الاستبعاد والإقصاء إلى كل بلدة وحي وقرية ومنزل في محافظات الجنوب.
وحيث أن المذيع (الشاب) لم يمر على ثورة الحراك السلمي الجنوبي وما عبرت عنه من تبلور موقف شعبي عام وعارم في عموم الجنوب، فإن هذا لم يكن ليعفي الزميل الصراري من التعرض لهذه الظاهرة الفريدة التي سبقت ثورات الربيع العربي بسنوات، وتواصلت حتى تحولت إلى مقاومة مسلحة بعد الغزو الحوثـ-عفاشي، وأثمرت عن دحر قوات الغزوتين المدمرتين للجنوب في العامين 1994م و 2015م.
وحتى لو قال قائل أن هذه القضية ليست في إطار التاريخ السياسي لليسار (موضوع اللقاء) (وهذا ليس صحيحاً) فإنه لا يمكن لقيادي في حزب حكم الجنوب على مدى قرابة ربع قرن، نجح في ما نجح فيه وأخطأ حيثما قُدِّرَ له أو عليه أن يخطئ، أقول لا يمكنه المرور على هذه الظاهرة الفريدة مرور المحايد الذي لا تعنيه في شيء .
وتجلت ظاهرة الدوغمائية السياسية عند الزميل العزيز حينما جاء السؤال المتعلق بوضع الحزب الاشتراكي الراهن في ظل وجود دولتين يمنيتين إحداهما في الشمال والأخرى في الجنوب، حيث أصر زميلنا على أن يعود إلى ثقافة الثمانينات بل والسبعينات، حينما كانت الدوغما السياسية سيدة الموقف، فكان يجري إنكار المصاعب والانقسامات والصراعات الفكرية كحقائق قائمة في منظومات الحكم، في الجنوب كما في الشمال ، ثم لا تلبث الحقائق أن تكشف عن نفسها بصورة دامية ومؤلمة كان يمكن تجنبها لو أن القيادات السياسية في حينها لم تتستر على أسباب الأخطاء والإخفاقات، واعترفت بها أو بأسبابها وعالجتها قبل استفحالها.
زميلنا العزيز علي الصراري طور مهاراته وقراءاته في كل شيء إلا في تقييم الوضع القائم في ثنائية الجنوب والشمال ومن ثم وضع الحزب الاشتراكي، في ظل هذه الثنائية القائمة أمام كل ذي عينين.
وحتى لا نغوص عميقاً ومطولاً في الحديث عن محنة الحزب الاشتراكي بعد 1994م، فإننا نكتفي بالإشارة إلى أن حظر الحزب والقضاء عليه قد كان واحداً من أهداف حرب 1994م، لولا الدور العظيم الذي لعبته القيادات الاستثنائية التي أعادت بعث الحزب من تحت الرماد وأعادت له الروح والدورة الدموية إلى قلبه وأوردته وشرايينه.
ويمكننا هنا التعرض للدور الأبرز الذي لعبته أسماء رائدة كالفقيد المناضل علي صالح عباد مقبل والشهيد جار الله عمر عليهما رحمة الله والدكتور سيف صائل خالد والزملاء أعضاء الكتلة البرلمانية الذين بقوا في الداخل وتحملوا مرارات التهديد والوعيد والتهكم والازدراء والتضييق الذي يتعرض له المهزوم دائماً وفي كل الحروب، ولهؤلاء جميعاً ولكل قيادات وقواعد الحزب في تلك اللحظة التاريخية المصيرية كل التحية والتقدير.
وللتوقف عند وضع الحزب الراهن والتحديات التي تنتصب أمام القوى السياسية في الجنوب والشمال، يمكننا استعراض بعض الحقائق التي يحاول الكثير من السياسيين اليمنيين القفز عليها.
لكن هذا سيتم في الجزء الثاني من هذا المنشور.
فانتظروني