شارك الخبر
ـــــــــــــــــــــــــــــ عيدروس نصر
إن الحزب الاشتراكي اليوم، لم يعد كما كان في التسعينات ولا حتى في العشرية الأولى ولا حتى ما قبل 2014م فهو كجسم سياسي يؤثر ويتأثر بما تشهده الساحتان الجنوبية والشمالية، ولا يمكن أن يحيى بمعزل عن كل العواصف والمتغيرات التي شهدتها الساحتان خلال قرابة العقد من الزمان، ناهيك عما سبقها من ثورات ومواجهات سلمية ومسلحة مع نظام صنعاء، ومن ملامح التأثر بتلك المتغيرات يبدو الانقسام الذي يعانيه الحزب مثله مثل جميع القوى السياسية اليمنية، ناهيك عن تأثره وتأثيره المباشر بالقضية الجنوبية والوضع في الجنوب عامةً، باعتباره المسؤول المباشر أخلاقياً وسياسياً ووطنياً عن توريط الشعب الجنوبي في صفقة مشروع الوحدة الفاشل وهو من تقاسم مواجع الهزيمة وآلامها مع الشعب الجنوبي في العام 1994م وما بعدها، ومرارات تلك الهزيمة التي ما تزال قائمة حتى يوم الناس هذا، الأمر الذي يقتضي من الحزب وفي الجنوب بخلاف الشمال، أن يكون جزءاً من الحراك السياسي الجنوبي الذي يستهدف إنهاء الشراكة المعوجة التي نتجت عن مشروع الوحدة الفاشل والمخيب، سواء وحدة 22 مايو أو وحدة 7/7 أو حتى وحدة ما بعد 2015م التي لم تعد قائمة على الواقع الحياتي الملموس للناس، وسيكون من غير اللائق بالحزب الاشتراكي أن يبقى متفرجاً على معانات الجنوبيين مثلما تفعل الأحزاب الشمالية التي تتعامل بعدائية مع الجنوب ومطالبه المشروعة باستعادة دولته الوطنية على حدود 21 مايو 1990م.
إن الدوغمائية السياسية المهيمنية على الكثير من القادة السياسيين الشماليين وحتى بعض الجنوبيين تجعلهم ينظرون إلى مأساة الجنوب التي يعيشها منذ أكثر من ثلاثة عقود على إنها “غلطة سلوكية عابرة” ارتكبها أحد الحمقى الطائشين، ويمكن معالجتها في إطار ما يسمونها بـ”دولة الوحدة اليمنية” وفي أحسن الأحوال يقول البعض: لنستعِد صنعاء ومن ثم نعالج القضية الجنوبية، ولكن دون أن يفصح عماهية المعالجة التي يقصدها؛ وفي هذا لا يختلف الإصلاحي عن المؤتمري أو الناصري عن البعثي عن بعض الاشتراكيين، دعك من الذين ينكرون وجود قضية جنوبية من حيث الأصل وهم كثر وفي كل الآحزاب الشمالية.
* * *
في العديد من المنشورات على هذه الصفحة وعلى بعض المواقع الإلكتروني والصحف الورقية، والرسائل الخاصة الموجهة إلى قيادة الحزب الاشتراكي اليمني، كان كاتب هذه السطور قد تعرض لقضية غاية في الأهمية وهي الاختلاف الجذري بين التحديات القائمة أمام قوى التغيير في الشمال عنها في الجنوب، ففي الشمال (الجمهورية العربية اليمنية السابقة) يكمن التحدي في استعادة الجمهورية وبناء دولة النظام والقانون، وما يتفرع عن هاذين التحديين من تحديات فرعية؛ أما في الجنوب فإنه وبعد تحرير الجنوب من الغزو الحوثـ-عفاشي، تتركز التحديات في العمل من أجل استعادة الدولة الجنوبية وما يرتبط بهذا التحدي من تفرعات تتمثل أهمها في إعادة الإعمار واستعادة بناء المنظومة القانونية والتنفيذية والقضائية والاقتصادية وتعزيز الوحدة الوطنية في ضوء التجربة الجنوبية السابقة، بعد تنقيتها من مخلفات الأحادية السياسية والاقتصادية وما ينتج عنها من آثار سلبية على حركة وتطور المجتمع.
إننا نتحدث عن قوى التغيير ونعتبر الحزب الاشتراكي في الجنوب كما في الشمال ما يزال يمتلك مؤهلات الانخراط في معركة التغيير في ضوء تلك التحديات.
إن القوى السياسية الشمالية لا يمكن أن تستوعب معنى التحديات القائمة في الجنوب، ناهيك عن أن الكثير منها لا تعترف بأي حق جنوبي في هذا السياق، وهي تعتبر التحدي الوحيد هو هزيمة الحوثي واستعادة الجمهورية، ونحن نتفهم أسباب هذا الموقف لقوى عدوان 1994م، لكن الحزب الاشتراكي يختلف عن هذه الأحزاب باعتباره الحزب الوحيد الذي تنخرط قواعده وقياداته الجنوبية في معركة تحرير الجنوب واستعادته دولته.
ومن هذا المنطلق، وللاعتبارات المشار إليها أعلاه جاءت مطالبتنا بأهمية إعلان فيدرالية حزبية للحزب الاشتراكي تقوم على أساس قيادتين حزبيتين في الجمهوريتين السابقتين تتبنى كل منهما المهمات النضالية في النطاق الجغرافي والسياسي الذي تعمل فيه، في ضوء التحديات التي سبقت الإشارة إليها.
لكن الدوغمائيين لا يرون ذلك الفرق الجوهري بين التحديات القائمة في الشمال ونظيراتها في الجنوب، وحتى وهم يتحدثون عن استعادة الجمهورية والعاصمة صنعاء يعجزون عن تقديم أي تصور لأي تكتيك أو رؤية استراتيجية لتحقيق هذا الشعار، وهم في الغالب إنما يتخذونه (أي الشعار) ستاراً للتخفي وراءه من الاعتراف بالفشل وبالأمر الواقع الذي يقول أن وضع الدولتين هو قائم اليوم، بوجود سلطتين وعاصمتين وحكومتين وبرلمانين ومجلسي شورى وبنكين وعملتين وجيشين وأمنين ورئيسين ومجلسين سياسيين في النطاقين الجغرافيين المعروفين، وبالأحرى في الجمهوريتين السابقتين، وكل ما يجمع بين الدولتين هو أن من يديرهما هم الأشقاء الشماليون وأن كلاً منهما تدعي أنها هي اليمن (كل اليمن)، أما الفارق بينهما فيكمن فقط في أن الدولة التي في الجنوب تدعي أنها شرعية لجميع اليمنيين، بينما تعجز عن توفير شحنة نفط لتشغيل كهرباء عدن لأربع ساعات في اليوم الواحد.
ومع إنني لم أكن أودُّ الحديث عن بيان الأخ يحيى منصور أبو إصبع رئيس اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي في صنعاء، الذي جاء محشواً بلغة “المسيرة القرآنية” في تأييده للعمليات العسكرية الحوثية في البحر الأحمر وما ترتب عليها من تعطيل للملاحة الدولية هناك وتحميل اليمنيين تبعات ذلك النزق والطيش الحوثي المقصود، وما يترتب عليه من ردود فعل صهيونية أمريكية تنعكس على حياة المدنيين وتدمير البنية التحتية وتعطيل مصالح المواطنين، أقول رغم تجنبي الخوض في هذا البيان العجيب، إلا إن تفسير الأخ علي الصراري لهُ جاء مضحكاً مغلفاً بغلاف من الاحتيال على متابعيه ومحاولة خداعهم بقوله إن البيان يعبر عن الرأي الشخصي ليحيى منصور، وكأنه يضع قاعدة جديدة في الممارسة والحزبية تقول بأن بإمكان أي قائد حزبي أن يقوم بنسف أدبيات ومواقف الحزب الذي يقوده، معبراً عن رأيه الشخصي، ولم يأبه للسؤال القائل: ما جدوى وجود هذا القائد على رأس الحزب إذا كانت قناعاته ومواقفه وسلوكياته مناقضه لأدبيات وسياسات حزبه؟
* * *
وأخيراً:
أعرف أن هناك من سيقول لي: وما دخلنا نحن القراء بكل هذه المعارك الكلامية؟ أو أين هو الحزب الاشتراكي الذي تتحدثون عنه؟
لجميع هؤلاء أقول إنه بإمكان من لا يروق له هذا الحديث أن لا يقرأه وأن يعتبره أمراً لا يعنيه، لكن الصفحات المشرقة من تاريخ الحزب الاشتراكي في الجنوب لا ينبغي أن تشطب بجرة قلم، كما إن شهداء الحزب الاشتراكي في معركة الدفاع عن عدن مرتين، خلال الغزوتين البغيضتين وفي معركة الحراك السلمي الجنوبي الرائع، ومعهم كل الشهداء الجنوبيين الذين سقطوا في المعارك الثلاث دفاعاً عن الأرض والكرامة الجنوبيتين لن تذهب أدراج الرياح، كما إن الحزب الاشتراكي في الجنوب موجودٌ من خلال آلاف كوادره وأعضائه وأنصاره المنتشرين في قلب المعركة في الدفاع عن الحق الجنوبي، ولئن كانت هيئات الحزب المركزية والمحلية لا تعلن هذا لوسائل الإعلام، فإن هذا يأتي بسبب ضعف الإعلام الجنوبي والاشتراكي منه على وجه الخصوص، واحتكار الوسائل الإعلامية الجنوبية القائمة من قبل أفراد ومراكز لا يروق لها الحديث عن مسمى الحزب الاشتراكي ولا حتى عن الجزء المشرق من تاريخه لأسباب تخصها.
إنني أجدها فرصة للتوجه إلى الزملاء في منظمات الحزب الاشتراكي في الجنوب إلى استنهاض قواهم وطاقات منظماتهم الحزبية والذهاب باتجاه مؤتمر وطني لتحقيق الأهداف التالية:
1 إعلان الحزب الاشتراكي الجنوبي المستقل.
2. مراجعة الأدبيات الحزبية وتجديد الرؤى الجديدة للتحديات الجديدة، ورسم استراتيجية وتكتيك جديدين للتعاطي مع التحديات الراهنة والمستقبلية.
3 الإعلان الصريح عن إن هدف الحزب في هذه المرحلة هو نفس الهدف الذي انطلقت منه ثورة الحراك السلمي الجنوبي، وهو استعادة الدولة الجنوبية المستقلة على حدود 21 مايو 1990م والتمسك ببيان 21 مايو 1994م مع الأخذ بالاعتبار المتغيرات التي طرأت على الساحة الجنوبية والانطلاق نحو بناء الجنوب الفيدرالي الديمقراطي الجديد.
4 دعم التوجهات الجذرية داخل المجلس الانتقالي الجنوبي وإقامة تحالف وطني عريض يقوم على القاسم المشترك الأعظم بين جميع الجنوبيين أفرادًا وهيئاتٍ، وهو استعادة الدولة الجنوبية الفيدرالية التعددية القائمة على المعايير الديمقراطية الحقيقية والحريات العامة الفكرية والسياسية والاقتصادية وحرية التعبير،. . .دولة النظام والقانون والحياة المؤسسية والتداول السلمي للسلطة وفقا لما تقتضيه القوانين الجديدة للجمهورية الجنوبية الجديدة.
والله ولي الهداية والتوفيق.ِ