شارك الخبر
ينشأ الكنديون منذ الصغر على ثقافة مساعدة الآخرين، حيث تُغرس هذه القيم عمليًا في منازلهم ومدارسهم. ويُلزم الطلاب بأداء عدد محدد من ساعات العمل التطوعي ضمن برنامج دراسي رسمي، ويطلب منهم المشاركة في الأعمال التطوعية في المدارس مثل التنظيف والتنظيم ومع جيرانهم وفي أحيائهم، مثل تقطيع الحشيش أو مساعدة العجزة في اخراج المخلفات (الزباله) وغيرها.
أما في مرحلة الثانوية العامة يكون العمل الطوعي إلزاميا ومحدد بأربعين ساعة عمل معتمدة سوى في المدارس او مع الأحياء مع البلدية، بل إن بعضهم يتجاوز العدد المطلوب بدافع من تشجيع إدارات المدارس والأسرة. ويُعتبر العمل التطوعي ذا قيمة معنوية كبيرة، ويُسجل في سيرهم الذاتية، مما يجعله سلوكًا يوميًا مترسخًا في حياتهم. يا لها من تربية حسنة!
كم اتمنى ان تكون هذه التربية تُؤخذ بها في عالمنا العربي وان يكون العمل التطوعي إلزامي على طلاب الثانوية العامة، كشرط للتخرج أو كجزء من نظام المسارات التعليمية. الهدف من ذلك هو تعزيز قيم المسؤولية الاجتماعية والعمل الجماعي لدى الطلاب العرب وتنمية مهاراتهم الحياتية.نعم هناك انشطة كثيرة للطلاب في الدول العربية لكنها ليست إلزامية عداء المملكة العربية السعودية حسب علمي.
ونعود الى السلوك الحضاري لدى الكنديون وإليكم ثلاث مواقف مررت بها شخصيًا، انها مواقف بسيطة جدا لكنها كمقياس وتعبر عن سلوك حضاري متأصل لدى الكنديون :
الموقف الأول:
كنت في إحدى المرات أقوم بالمشي اليومي في أحد شوارع مدينة أوتاوا القريبة من منزلي. شعرت ببعض التعب وجلست في موقف الباص لتصفح الرسائل على هاتفي. الموقف شبه مغلق، يتسع لثلاثة أشخاص، وله مدخلان، وجوانبه زجاجية. وبينما كنت جالسًا، توقف رجل يقود (بيك) دراجة هوائية وقال لي بعد التحية:
“سيدي، لا تنتظر الباص، فلن يأتي بعد هذا الوقت. اليوم أحد، والوقت متأخر.”
شكرته، ومضى في طريقه. وبعد دقائق، توقفت سيدة مسنة وأخبرتني بلطف أن الباص لن يمر في هذا الوقت أيضًا. لقد ظن كلاهما أنني بانتظار الباص، وشعورا بمسؤوليتهم لتنبيهي. إنها ثقافة التعاون وحب المساعدة المتأصلة فيهم.
الموقف الثاني:
كنت أبحث عن متجر لبيع الملابس، لكني نسيت موقعه. سألت امرأة مسنة كانت تمر بالقرب مني عن العنوان، فأجابت أنه في الإتجاه المعاكس، ثم شرحت لي الطريق، لكنني لم أفهم جيدًا ما قالت. فما كان منها إلا أن قالت: “تعال معي، سأدلك عليه.”
كانت برفقة صديقتها، فاصطحبتاني معًا حتى أوصلاني قريبًا من المحل المطلوب، على الرغْم أن وجهتهما كانت في اتجاه مختلف. لقد كانتا سعيدتين بمساعدتي، وودعتني بحرارة، وشكرتهما من قلبي على هذا التصرف الإنساني الرائع.
الموقف الثالث:
في أحد أيام الصيف، وفي وقت الظهيرة، كنت أمشي في الشارع تحت شمس حارقة. شعرت بالتعب، فآثرت الجلوس قليلًا تحت ظل شجرة قرب الطريق العام، واستلقيت على العشب لأرتاح.
لم تمضِ دقائق حتى توقفت بجانبي سيارة تقودها امرأة مسنة، وسألتني: “هل كل شيء على ما يرام، سيدي؟ هل تحتاج إلى مساعدة؟”
شكرتها، ومضت. وبعد مدّة وجيزة، توقفت سيارة أخرى تقودها امرأة متوسطة العمر، وكررت نفس السؤال بلطف واهتمام. لو بقيت تحت الشجرة وقتًا أطول، لأتت سيارات أخرى بلا شك.
فهمت لاحقًا أن الناس في كندا يرون الاستلقاء تحت شجرة قرب الطريق العام علامة على أن الشخص قد يكون مريضًا أو بحاجة إلى مساعدة. ربما يتصلون بالإسعاف إن تطلب الأمر، أو يعرضون توصيلك إلى المنزل. حين أدركت ذلك، نهضت وأكملت طريقي الى المنزل.
واخيرا ما أجمل أن تنمو المجتمعات على حب العطاء وروح المبادرة، كما هو الحال في كندا، حيث لا يُعتبر العمل التطوعي مجرد واجب مدرسي أو نشاط ثانوي، بل هو سلوك يومي يتغلغل في تفاصيل الحياة. إن ما رأيته ولمسته بنفسي من مواقف بسيطة لكنها عميقة، يثبت أن القيم تُغرس منذ الصغر وتثمر في الكبار، فتظهر في كلمة طيبة، أو مساعدة عفوية، أو حتى سؤال لطيف في وقت غير متوقع. و العطاء لا يقتصر على المال، بل يشمل الوقت، والاهتمام، والكلمة الطيبة. ومتى ما أصبح هذا هو المعيار، أصبحنا نعيش في عالم أجمل وأكثر إنسانية.