شارك الخبر
فى يوم 9 أكتوبر 1973، أفاق هنرى كيسنجر – وزير الخارجية الأمريكية – على صدمة كبرى له ولتوقعاته التي بنى سياسته على أساسها، عندما أيقظه السفير الإسرائيلى سيمحا دينتز من النوم مرتين في منتصف الليل ليطلب في الاتصال الأول «سرعة إرسال المدد العسكري لإسرائيل بدون أي تأخير». وفي الاتصال الثاني عاد وأكد على ما طلبه في الاتصال الأول، وهنا استبد القلق والريبة بكيسنجر وطلب مقابلته في مكتبه صباحاً.
وفي الصباح سمع كيسنجر من السفير و من الملحق العسكري لإسرائيل الجنرال جور ما يلى:
«إن خسائر إسرائيل حتى هذه اللحظة مروعة. وقد جاءت غير متوقعة بالمرة فلقد أسقطت لنا حتى الأن 49 طائرة بينها 14 من طراز فانتوم ، إلى جانب 500 دبابة». (أي أن الجيش الإسرائيلى فقد خُمس طائراته وربع دباباته في أربع أيام من القتال).
كيسنجر: 500 دبابة!! كم دبابة كانت لديكم؟
جور: 1800
دينيتز: لقد خسرنا 100 فى الشمال (الجولان) و 400 فى الجنوب (سيناء).
كيسنجر: اذن هذا هو السبب الذى يجعل المصريين متباهين إلى هذا الحد.
وقدم دينتز قائمة بالطلبات العسكرية وأضاف إلى تلك القائمة أن تقوم المخابرات المركزية وكذلك المخابرات العسكرية الأمريكية بمدهم بكل ما لديهم من معلومات عن أوضاع الجبهات. ووافق كيسنجر على الطلبات الإسرائيلية بدون مناقشة.
وفى نفس اليوم دعا كيسنجر إلى اجتماع عاجل لمجلس الأمن القومي، وعرض على أعضائها بعض مما سمع من السفير ومن الملحق العسكرى الإسرائيلى. ونشب خلاف داخل الاجتماع لعدم رغبة بعض المجتمعين مثل رئيس المخابرات المركزية ووزير الدفاع وقتها بالتدخل الأمريكي المباشر والفج في الحرب.
وهنا فقد هنري كيسنجر أعصابه قائلاً بحدة: « إن إسرائيل قد تلقت هزيمة استراتيجية، بصرف النظر عما يمكن أن يحدث بعد ذلك، ولا ينبغي للولايات المتحدة أن تسمح لهذه الهزيمة بالوصول إلى مداها».
وفى يوم 12 أكتوبر 1973، ذهب كيسنجر بعد اجتماعه مع وزير الخارجية الإسرائيلية لمقابلة الرئيس الأمريكي نيكسون وذلك للشكوي من وزير الدفاع الأمريكى “شليزنجر” ومن العقبات التى يضعها فى وجه قيام الطائرات الأمريكية بنقل السلاح لإسرائيل؛ كان وزير الدفاع الأمريكى يخشى من الموقف العربى تجاه المصالح الأمريكية فى حالة اتخاذ أمريكا قرار بإمداد إسرائيل علانية بالسلاح.
وكان رد الرئيس الأمريكي بقوله:”إننا سوف نتلقى لوماً من العرب سواء أرسلنا ثلاث طائرات أو مائة طائرة، ولهذا فإن التردد لم يعد له معنى. أبلغ وزارة الدفاع أن يتحركوا بسرعة وبدون حرج، وأن يبعثوا بحمولاتهم فى وضح النهار على أي شيء يمكن أن يطير من هنا لإسرائيل.”
فى اليوم التالى مباشرة كانت الولايات المتحدة الأمريكية تنفذ خطة Operation Nickel Grass، لنقل كل ما تحتاجه إسرائيل من أسلحة وعتاد متقدم، إلى ميدان القتال مباشرة، مستخدمة 228 طائرة نقل، نفذت 569 طلعة، نقلت خلالها 22.5 ألف طن احتياجات، واستمر هذا الجسر 33 يوماً (13 أكتوبر ـ 14 نوفمبر 1973)، بالإضافة إلى 8 طائرات نقل تابعة لشركة العال للطيران الإسرائيلية المدنية، من طرازي بوينج 747، 707، نقلت 5500 طن معدات خلال الفترة نفسها. بخلاف ما تم شحنه بحراً، وقد وصل حجم ما تم نقله بحراً 33 ألف طن من الدبابات والمدافع والعربات، لتعويض إسرائيل عن ما خسرته في الحرب، وسرعة استعادة القوات الإسرائيلية لكفاءتها القتالية عقب وقف القتال.
وفى الساعة العاشرة صباح يوم 7 نوفمبر 1973، وصل هنرى كيسنجر – وزير الخارجية الأمريكية – إلى قصر الطاهرة بالقاهرة ، ولقى كيسنجر استقبالاً حاراً من الجميع أعترف أنه أدهشه باعتباره الرجل الذى أعطى لإسرائيل كل السلاح الذى طلبته لتغيير الموازين لصالحها فى معركة ضد الجيش المصرى لم تتوقف آثارها حتى هذه الساعة.
وقد أدهشه أيضاً أن كثيرين من مستقبليه الرسمين المصريين أخذوه بالأحضان والقبلات، وقد دخل مع ثلاثة من كبار مستقبليه إلى الصالون الرئيسى للقصر. وما كادوا يجلسون حتى دخل الرئيس السادات مرتدياً زيه العسكرى، وقد أقبل على كيسنجر مرحباً بحرارة شديدة. ومرة أخرى أبدى كيسنجر دهشته من هذه الحرارة التى جاءت بعد أسبوعين اثنين من حرب قمنا فيها بتسليح جيش معاد لمصر. وأكثر من ذلك فقد كدنا فى نهاية هذه الحرب أن ندخل فى مواجهة نووية مع الاتحاد السوفيتى، وكان محتملاً أن تؤدى بنا الأحداث إلى تدخل عسكرى مباشر فى مصر.