شارك الخبر
مرسوم الدباغ لقضاة بني بكر 1934م.
(دراسة وتحليل)
———–
مقدمة:
ارتبط اسم آل الدباغ منذ عشرينيات القرن العشرين بإنشاء “مدارس الفلاح” في حضرموت وعدن ولحج، غير أنّ مشروعهم لم يكن تعليمياً محضاً. فقد أسس الأخوان حسين وعلي الدباغ أول مدرسة في المكلا سنة 1924م، وبدت في ظاهرها مؤسسة تربوية تهدف إلى نشر التعليم الحديث، لكن الوثائق والروايات تكشف عن نوايا أخرى، إذ كانوا يضمرون غير ما يظهرون من الاهتمام بنشر التّعليم، فقد حاولوا تربية التلاميذ على النظام الحربي والانضباط العسكري، بهدف إعداد جيل مقاتل يكون سنداً لهم في استعادة ملكهم الضائع في الحجاز بعد أن فقدوه لصالح آل سعود.
منذ تلك اللحظة المبكرة، بدأت انظارهم ترنو إلى يافع للوصول إلى هدفهم المبطن، بدافع من تقديرهم لثقل اليافعيين وبرزت يافع في حساباتهم كخزان بشري محتمل، بعد أن لمسوا ثقلها العسكري من خلال مشاركة أبنائها في جيش السلطنة القعيطية. وقد سعوا إلى استمالة رؤساء يافع واستعراض ما لديهم من ثروة، حتى أن بعض المصادر تذكر أنّهم عرضوا المرتبات المغرية، والتزم لهم رؤساء القبائل بخمسة وأربعين ألف مقاتل. غير أنّ حساباتهم اضطربت بسبب ضغوط خارجية من العراق والحجاز، فانتقلوا إلى عدن ثم لحج، وأعادوا فتح مدارس تحمل اسم “الفلاح”، لكن هدفهم ظل أبعد من التعليم، وهو ما تجلّى لاحقاً في اختيار يافع قاعدة جديدة لنشاطهم.
لماذا يافع؟
——–
لم يكن اختيار يافع اعتباطياً. فهي منطقة جبلية منيعة، تمنح الداخل إليها حصانة طبيعية، وتشكل ملاذاً آمناً لأي حركة ثورية أو متمردة، عصية على الاجتياح من قِبل الإمام في صنعاء أو القوات البريطانية في عدن، فضلاً عما تمتاز به من خزان بشري مقاتل، عُرف تاريخياً بشدة البأس وروح الفزعة، ما يجعلها أرضاً خصبة لأي مشروع يحتاج قوة عسكرية، وقد كانت يافع تاريخياً، منطقة شبه مستقلة سياسياً، بعيدة عن سيطرة الإمام المباشرة، كما لم تخضع للإنجليز بشكل مباشر، مما جعلها “الحياد الاستراتيجي” الأمثل لبناء مشروع الدباغ.
ومن نافل القول أن علاقة آل الدباغ برؤساء يافع، قد بدأت منذ وجودهم في المكلا، وشجعتهم على التفكير المبكر في استثمار تلك الروابط، لاسيما بعد إخفاقهم في تحقيق أهدافهم من عدن ولحج، وقبل ذلك المكلا، فتحولت أنظارهم إلى يافع باعتبارها المكان الأنسب لإعادة تنظيم قواهم، ومن ثم الانطلاق إلى مشروع سياسي أكبر.
اتصالهم المبكر مع قضاة يافع آل عزالدين1934م
————-
بعد أن أغلق السلطان عمر بن عوض القعيطي مدرسة الفلاح في المكلا سنة 1933م لأسباب سياسية، اتجه حسين الدباغ إلى لحج وعدن، وأنشأ عام 1934م مدرسة “الفلاح” في كل من لحج وعدن. ومن عدن التي ربما خشي أن يخفق فيها مثلما أخفق بالمكلا، بدأ يوجه أنظاره إلى يافع كملاذ آمن لتحقيق طموحاته السياسية، بغطاء ديني، بعيداً عن أعين الانجليز.
وهكذا أرسل أول مرسوم من عدن إلى يافع وتحديداً إلى قضاة يافع آل عزالدين في نفس العام الذي أنشأ فيه مدرسته في عدن. وقد حصلت على وثيقة المرسوم من أرشيف الشيخ ناصر علي محمد بن عزالدين الذي لم يبخل بما لديه من مخزون وثائقي مكننا أنا وغيري من الباحثين من استنطاقه ودراسة الكثير وإصدارها في دراسات ومؤلفات فله جزيل الشكر، وفيما يلي نص المرسوم:
بسم الله الرحمن الرحيم
وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم
مرسوم كريم، وسجل يد والله عظيم كتبه بقلمه، وتوجه بطابعه وعلمه، الداعي إلى الله محمد بن عبدالله الحسين الأدريسي الشريف، بيد المحب الفاضل القاضي محمد عبدالحبيب عزالدين وأخيه القاضي عبدالله ، وكافة بيت القاضي آل عزالدين، بعد إعطائهم لنا العهد والميثاق على كتاب الله وسنة رسول الله، والسمع والطاعة بأنهم منَّا وإلينا، وأنهم على ما كانوا عليه أحراراً اجباراً، لهم المقام التام والمساعدة ومزيد الاحترام، حسبما كان عليه آباؤهم وأجدادهم، بموجب ما بأيديهم من سجلات من سلاطين ودول وخلافة على بنيبك (بني بكر) وعموم يافع، كما ينطق بذلك الأوراق التي بأيديهم، نزيدهم ولا ننقصهم، ونحميهم عند الحاجة ، ونساعدهم في صلاح جميع الأحوال، على ما يرضي ذو الجلال، إذا قاموا بالعهد ولازموا أوامر الله وسعو معنا في صلاح عباد الله والجهاد في سبيل الله، ولهم عند صلاح الأحوال وتمام قيام الأمر المشاهرة الوافية ، بحيث يكون لهم في كل شهر عشرون ريالاً، وعند قيام القُلمة يكون أصحابهم وكل من قال بقولهم لهم التقدمة والزيادة وبلادهم الجميع بيت القاضي حسب عادتهم جبورية من المخاصم والمغارم والدخل.
وبالله التوفيق
حرر يوم الجمعة 15 رجب 1353هـ/ الموافق 24اكتوبر 1934م.
التعليق على المرسوم:
———–
لا يمكن النظر إلى هذا المرسوم الذي بعث به حسين بن عبدالله الدباغ في عام استقراره في عدن 1934هـ، باسم (الداعي إلى الله محمد بن عبدالله الحسين الأدريسي الشريف) إلى قضاة بني بكر في يافع، كوثيقة عابرة أو مجاملة، بل هو نص سياسي-ديني محمَّل بالرموز والإيحاءات، يكشف لنا بوضوح عن توجهات آل الدباغ في تلك المرحلة بعد أن أخفقت فيها مساعيهم في المكلا، ويُبرز محاولاتهم المبكرة لاختراق البنية الاجتماعية في يافع الجبلية، واستثمارها في مشروعهم المناهض لكلٍّ من الإمام يحيى حميد الدين في صنعاء، والوجود البريطاني في عدن، وآل سعود في الحجاز.
التوظيف الديني للمرسوم:
————–
افتتح المرسوم بالآية: {وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ } [آل عمران: 126]، ثم نسب المرسوم إلى “الداعي إلى الله محمد بن عبدالله الحسين الأدريسي الشريف”. وهنا يبرز بوضوح التوظيف الديني للمرسوم، إذ عمد الدباغ إلى:
إخفاء اسمه الحقيقي (حسين بن عبدالله) والتسمية باسم “محمد بن عبدالله”، في إحالة مباشرة إلى أحاديث المهدي المنتظر (محمد بن عبدالله)، كما ربط نسبه بـ “الأدارسة” لإكساب نفسه شرعية دينية ونَسَبية، بما يعزز مكانته في مجتمع يافع المعروف بتمسكه بالدين وحميته القبلية، مستغلاً جهل عامة الناس، ما يمنحه قدرة على استقطاب الأنصار بسرعة.
التحالف مع المرجعيات الدينية المحلية:
—————-
لم يوجه الدباغ مرسومه إلى السلاطين والمشايخ القبليين في يافع، بل اختار أن يوجهه أولاً إلى المرجعيات الدينية المحلية، وتحديداً إلى آل عزالدين، القضاة البارزين في بني بكر، لما لهم من وجاهة علمية ودينية وقضائية في يافع عامة، وهذا يعكس إدراكه أن أي مشروع لن ينجح في يافع دون استقطاب المرجعيات الدينية التي تحظى بقبول واسع، واستخدامه لصيغة “العهد والميثاق على كتاب الله وسنة رسوله” كأداة لإلزام القضاة وأتباعهم بالولاء، وإسناد شرعية سياسية لمشروعه عبر تكييفها على أنها مبايعة دينية لا مجرد تحالف سياسي.
وعود بالتمكين والسيادة:
————
منح المرسوم قضاة يافع آل عزالدين امتيازات واسعة، منها تثبيت وضعهم التاريخي كـ”أحرار إجباراً”، مع وعود بالمحافظة على مكانتهم وحقوقهم كما كان عليه آباؤهم وأجدادهم، وضمان إعفائهم من “المخاصم والمغارم والدخل” أي الضرائب والغرامات القبلية، وهي امتيازات جاذبة للقبائل، كما وعدهم برواتب شهرية (20 ريالاً) عند “صلاح الأحوال وتمام قيام الأمر” أي عند نجاح مشروعه السياسي.
وبهذه الوعود، كان الدباغ يسعى إلى بناء شبكة ولاء داخل البنية القبلية، معتمداً على وعود مادية ورمزية تجعل القضاة شركاء مباشرين في مشروعه القادم.
المواجهة المزدوجة: ضد الإمام وضد الإنجليز
يظهر من لغة المرسوم ووعوده أن مشروع الدباغ لم يكن يستهدف الإمام يحيى فقط، بل أيضاً الإنجليز.
ضد الإمام: أراد استثمار التذمر اليافعي من محاولات التوسع الزيدي للسيطرة على يافع، مستنهضاً الحمية الدينية العقائدية الرافضة للزيدية من خلال الحث على الجهاد.
وضد الإنجليز: بإقامة قاعدة في يافع، يتمكن الدباغ من تهديد عدن والخروج بمشروعه التحرري خارج الهيمنة البريطانية.
وقد استخدم الدباغ عبارة “السعي في صلاح عباد الله والجهاد في سبيل الله”، وهو خطاب ذو دلالة مزدوجة، فهو يوهم القضاة بأن مشروعه ديني إصلاحي، أما في الواقع، لكن المقصود هو الجهاد لتحقيق مشروعه السياسي الشخصي، أي بناء سلطته على أنقاض سلطات قائمة (الإمام – الإنجليز).
الخلاصة
يعتبر المرسوم الموجه إلى قضاة بني بكر (1934م) شاهداً مبكراً على محاولات آل الدباغ لاستثمار يافع كقاعدة جبلية محصّنة، وكخزان بشري قبلي يمكن توجيهه لتحقيق مشروعهم السياسي. ولقد وظّف الدباغ الخطاب الديني لإضفاء الشرعية، والتحالف مع المرجعيات الدينية (آل عزالدين) لبناء غطاء فقهي وقانوني، والامتيازات المادية والسياسية لضمان الولاء، والخصوصية الجغرافية والاجتماعية ليافع كقاعدة مواجهة مزدوجة ضد الإمام يحيى والإنجليز. وبذلك، يكشف المرسوم عن رؤية استراتيجية مبكرة لآل الدباغ في التعامل مع يافع، باعتبارها منطقة مفصلية في أي مشروع سياسي متمرّد في جنوب الجزيرة العربية.
د.علي صالح الخلاقي
من كتاب سيصدر قريباً عن حركة الدباغ ومدارس الفلاح في المكلا ولحج وعدن ويافع..