شارك الخبر
كتب/د.علي صالح الخلاقي
اسم المناضل عباس العسل يرنّ في ذاكرة الجنوبيين رنيناً خاصاً، إذ اقترن اسمه باسم رفيق دربه المناضل والشاعر الراحل أحمد القنع، منذ الأيام التي أعقبت احتلال الجنوب صيف 1994م. حيث كانا من أصلب المناضلين ومن الرعيل الأول ممن هيّأوا الأرضية لانطلاقة ثورة الحراك السلمي الجنوبي عام 2007م.ولهما مواقف مشرفة. وما زلت أذكر تلك القصيدة الوطنية المشتركة التي نظماها في رثاء شاعر الجنوب الكبير شائف الخالدي أواخر عام 1998م، والتي يقول مطلعها:
“كم با تأكلي يا دوده…”
وهذه القصيدة وكثير غيرها له ولشعراء آخرين أشعلت حينها الحماس وأججت مشاعر الغضب ضد الاحتلال، وأشعلت جذوة المقاومة السلمية، وتحفّز المشاركين في فعاليات الحراك على الصمود والتحدي.
لقد كان عباس العسل في سنوات الثورة السلمية دائم الحضور، لا يتخلف عن فعالية ولا يغيب عن ميدان. كان يتنقل من مكان إلى آخر، حاملاً روحه على كفه، لا يخشى الاعتقال ولا التنكيل، غير مبالٍ بالمخاطر المحدقة. كان صوته وشعره يجلجل في الساحات، ووجوده يبعث الطمأنينة في نفوس رفاقه.
لكن المرض، بكل قسوته، أقعده منذ سنوات، وجعله طريح الفراش، وهو الذي كان بالأمس ملء الساحات والحشود. بينما انصرف الكثيرون عنه، وتناسته معظم القيادات التي طالما كانت تستظل بمكانته، ويُلهبها بحماسه ومواقفه الصلبة.
والمؤسف حقاً أن عباس، الذي لم يسعَ يوماً إلى منصب ولا إلى مكسب، ولم يطلب مكافأة ولا امتيازاً، وهو الأجدر بكل ذلك، قد وجد نفسه وحيداً يصارع المرض والإهمال والضائقة المعيشية. لم يكن عباس من أولئك الذين يلهثون وراء الكراسي، فقد ظل زاهداً متعالياً عن الصغائر، مؤمناً بأن النضال رسالة لا تجارة، وأن الثورة عطاء لا غنيمة.
لقد تصدّر المشهد بعد انتصار 2015م متسلقون كثر، بينما أبطال كعباس تراجعوا إلى الظل، ليس عجزاً، بل لأنهم لم يتقنوا لعبة المنافع والاصطفاف وراء المكاسب. واليوم، يدفع عباس ثمن إخلاصه وزهده، إذ يقبع على سرير مرضه في صمت وألم، بينما يتنعم غيره برغد العيش والمناصب والجاه. وحينما علمت من نجله بسوء حالته المرضية دون أن يكون بمقدوري عمل شيء ينقذ حياته، سوى قلمي وكلمتي التي أتمنى أن تصل إلى المعنيين.
وأجدني هنا، أضم صوتي إلى صوت أخي وصديقي الدكتور عيدروس نصر ناصر، في الدعوة إلى قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي، للإسراع في التكفل بعلاج عباس العسل خارج الوطن، في بلد تتوفر فيه الإمكانيات الطبية اللازمة لاستعادة صحته وعافيته. إن التأخير في هذا الأمر تفريط في قيمة الوفاء، وإضاعة لفرصة رد الجميل لرجل أفنى حياته في سبيل قضيته وشعبه.
إن تكريم الأحياء أولى من رثائهم بعد الرحيل. والحديث عن مناقب عباس بعد فوات الأوان لن يجدي نفعاً إذا لم نسعَ اليوم لإنقاذه. إننا أمام اختبار حقيقي للوفاء، وواجب أخلاقي لا يحتمل التأجيل.
عباس العسل ليس مجرد مناضل، بل هو رمز من رموز الصلابة والنقاء الثوري. الالتفات إلى قضيته اليوم هو التفات إلى كل مناضل حقيقي أفنى عمره في سبيل الحرية والكرامة. وما أبسط الوفاء إن تحقق: منحة علاجية، ورعاية طبية، واهتمام يليق برجل نذر حياته ولم ينتظر مقابلاً.
فلنمنح عباس العسل بعض ما يستحقه… قبل أن يرحل ونعض أصابع الندم.