شارك الخبر
كشفت كوريا الشمالية عن دبابة “تشونما-3″، في خطوة ليست مجرد تحديث ميكانيكي، بل إعلان استراتيجي بأن بيونغ يانغ تبني جيشًا قادرًا على المناورة عبر النهر والحدود معًا، في رسالة تقول إن الردع لم يعد يُقاس بعدد الصواريخ فقط.
وأعلنت بيونغ يانغ رسميًا عن دبابتها “تشونما-3” المتطوّرة، التي تضم تجهيزات لعبور المياه العميقة على غرار النظام المستخدم في دبابة كوريا الجنوبية “كيه-2 بلاك بانثر”؛ ما يمنح القوات المدرعة الكورية الشمالية قدرة على تنفيذ عمليات اقتحام مائية دون الحاجة إلى جسور أو وحدات هندسية، وهو ما يرفع بشكل ملحوظ مستوى المناورة الميدانية في بيئات القتال المعقدة.
ويرى الخبراء أنه في حال أثبت نظام عبور الأنهار فعاليته، فسيمنح بيونغ يانغ قدرة على تنفيذ تحركات مستقلة عبر العوائق الطبيعية وتقليل اعتمادها على وحدات الدعم؛ ما يعزز جاهزية قواتها البرية في أي سيناريو تصعيدي.
دروع أسمك.. ومدى رؤية أوسع
تعد “تشونما-3” تطويرًا مباشرًا من سابقتها “تشونما-2″، مع تركيز التحديثات على البرج، وتركيب الدرع، وأنظمة التحكم النيراني، لتتمتع بمساحة داخلية أوسع وتركيب منظومات بصرية حديثة، إلى جانب تعزيزات في الدروع المركبة وتوزيع وحدات الحماية النشطة في زوايا البرج وسقفه على نحو مشابه للأنظمة الروسية “دروزِد” والصينية “GL6”، لتوفير تغطية دفاعية بزاوية 360 درجة ضد المقذوفات الموجهة.
كما أُعيد تموضع منظار القائد نحو مؤخرة البرج، واستُبدل قاذف القنابل الأمامي بمحطة سلاح يتم التحكم بها عن بُعد، وأُعيد تصميم منظار المدفع، ويعتقد أن سلاحها الرئيسي أصبح مدفع “أملس” عيار 125 ملم من سلسلة “2A46”، بينما تشير بعض التقديرات إلى احتمال استخدام نسخة مطوّلة من عيار 115 ملم. تشمل الأسلحة الثانوية قاذف قنابل “AGS-17”، ومدفع رشاش “PKT” متحد المحور، وصاروخين موجهين مضادين للدبابات من طراز “بولساي” على جانبي البرج.
أما منظومة الدفع، فتعتمد على محرك ديزل “V-55” أو “V-12” بقوة تتراوح بين 750-1300 حصان، مع نظام تعليق قضيب التوائي وسبع عجلات داعمة مزدوجة على كل جانب، ما يشير إلى كتلة إجمالية تتراوح بين 50-55 طنًا.
رحلة تطور تحت الرادار
بدأت ملامح هذا التطور مع “تشونما-2” التي ظهرت لأول مرة في عرض عسكري العام 2020، لتشكل انطلاقة جديدة بعد عقود من الاعتماد على فئات “T-62” السوفيتية. منذ ذلك الحين، أدخلت بيونغ يانغ تحسينات تدريجية شملت الدروع التفاعلية، وأنظمة الرؤية الليلية، وتعديلات في التمويه، وصولًا إلى تركيب منظومة حماية نشطة في نسخة 2024.
في مايو 2025، أظهرت صور من مصنع “كوسونغ” في مقاطعة بيونغان الشمالية عدة وحدات شبه مكتملة، مؤكدة بدء الإنتاج منخفض المعدل، ومع تدشين “تشونما-3” في أكتوبر 2025، أصبحت رسميًا أكثر دبابة متطورة في الترسانة الكورية الشمالية.
السلاح.. مزيج من التاريخ والرمزية
تتوافق هذه التطورات مع نهج كوريا الشمالية التاريخي في تطوير دباباتها، بدءًا من “T-34” في خمسينيات القرن الماضي، مرورًا بـ “تشونما-هو” المشتقة من “T-62″، و”بوكبوغ-هو”، و”سونغون-915″، وصولًا إلى الجيل الحالي الذي يجمع بين التصميم المحلي والتقنيات المستعارة من روسيا والصين وإيران.
يرتكز التصنيع على مصنع “كوسونغ”، الذي توسّع بين عامي 2021-2023 لاستيعاب إنتاج المركبات المدرعة والمدفعية ذاتية الحركة، كما أظهرت الصور الملتقطة من الداخل هياكل مكتملة من “تشونما-2” وأبراج “تشونما-3″؛ ما يؤكد دخول مرحلة الإنتاج المتسلسل.
بين الردع والمناورة.. فلسفة جديدة للحرب
تأتي “تشونما-3” ضمن سياق إعادة هيكلة القوات المدرعة في الجيش الشعبي الكوري، التي تضم ما بين 3500-5000 دبابة، معظمها طرازات قديمة من “T-55” و”T-62″، مع وحدات محدودة من الأنواع الأحدث قرب بيونغ يانغ والمنطقة منزوعة السلاح.
ورغم القيود الصناعية والمالية، تواصل بيونغ يانغ اعتماد استراتيجية “التحسين المتدرّج” عبر إدخال تقنيات الحماية النشطة والأنظمة الرقمية والتصميمات المعيارية؛ فـ”تشونما-3″ لا تمثل مجرد تطوير تقني، بل تعبيرًا عن عقيدة عسكرية جديدة تسعى إلى امتلاك القدرة على المناورة والردع في آن واحد — وكأن كوريا الشمالية تقول لجارتها الجنوبية والعالم: “حين نعبر؛ لن نحتاج صاروخًا لنبدأ الحرب”.