شارك الخبر
====
في بادرة طيبة ولفتة وفاء كريمة، قامت السلطة المحلية والقيادة المحلية للمجلس الانتقالي الجنوبي بمديرية لبعوس_يافع بتكريم المناضل الوطني الكبير سالم صالح محمد، تقديراً لمسيرته النضالية والوطنية الزاخرة بالعطاء، واعترافاً بإسهاماته البارزة في مختلف مراحل الكفاح الوطني الجنوبي، منذ بواكير الثورة وحتى مراحل الدولة الحديثة.
يأتي هذا التكريم تتويجاً لمسيرة أحد رجالات الوطن الأفذاذ الذين سطّروا صفحات ناصعة في سجل الحرية والاستقلال، فقد كان المناضل سالم صالح محمد من أوائل من التحقوا بصفوف الحركة الوطنية الجنوبية في مرحلة مبكرة من عمره، وشارك مع رفاق دربه في تأسيس الجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن المحتل، التي فجّرت الثورة المسلحة ضد الاستعمار البريطاني، وأسهمت في صناعة فجر الاستقلال الوطني المجيد في 30 نوفمبر 1967م.
وتميّز المناضل سالم صالح محمد خلال مسيرته النضالية والسياسية بصفاء الفكر، وعمق الرؤية، واتزان الموقف. عرفه رفاقه ورؤساؤه وخصومه على حدّ سواء بأنه رجل هادئ الطبع، رصين القول، بعيد عن المزايدة والانفعال، ينأى بنفسه عن صخب السياسة وضجيجها، ويقدّر المواقف بميزان من الحكمة وبعد النظر. لم يكن يسعى إلى الأضواء ولا يلهث وراء المناصب، رغم أنه تقلّد العديد منها وكان أهلاً لها وكفؤاً لتحمّل أعبائها.
لقد كان مثالاً للمناضل الواعي الذي يجمع بين الالتزام الثوري والاتزان السياسي، وبين صلابة المبدأ ومرونة الفكر. اتخذ من المسؤولية تكليفاً لا تشريفاً، فخدم وطنه بإخلاص، وأسهم في بناء مؤسسات الدولة الحديثة بعد الاستقلال، بروحٍ وطنيةٍ صادقة، وإيمانٍ عميقٍ بقيم العدالة والمواطنة والمساواة.
ومن أهم المحطات والمسؤوليات في مسيرته الحافلة توليه عدداً من المناصب القيادية الرفيعة في الدولة والحزب، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
سكرتير عام المجلس اليمني للسلم والتضامن والصداقة مع الشعوب، سكرتير العلاقات الدولية (الخارجية) للتنظيم السياسي الموحد الجبهة القومية، وزير الخارجية في دولة الجنوب قبل الوحدة، سكرتير دائرة الثقافة والإعلام في الحزب الاشتراكي اليمني، الأمين العام المساعد للحزب الاشتراكي اليمني، وعضو أول مجلس رئاسي لدولة الوحدة اليمنية (المغدورة)، وأخيراً مستشاراً لرئيس الجمهورية.
تُبرز هذه المواقع حجم الثقة التي حظي بها المناضل من قبل رفاقه وقياداته، كما تعكس تنوّع عطائه ما بين العمل السياسي والدبلوماسي والفكري والثقافي، إذ ظلّ مؤمناً بأن السياسة لا تنفصل عن الثقافة، وأن المثقف الوطني هو الضمير الحي للأمة.
ومن أبرز ما يُسجَّل لهذا المناضل الوطني، أنه اختار بمحض إرادته أن ينأى بنفسه عن صخب السياسة وصراعاتها بعد أن أدّى واجبه الوطني، مفضلاً أن يترك الساحة للأجيال الجديدة لتواصل مسيرة النضال والبناء. في وقتٍ ظلّت فيه بعض القيادات تتمسك بالمناصب رغم تقدّمها في العمر وتبدّل الأحوال، اختار سالم صالح أن يترفع عن كل مغريات السلطة، محتفظاً بمكانته في الوجدان العام لا بمنصبٍ سياسي، بل بصفاء سيرته ونقاء مواقفه.
لقد قدّم نموذجاً نادراً في الزهد بالسلطة والتعفف عن المناصب، واتخذ لنفسه موقعاً سامقاً في ذاكرة التاريخ من خلال إرثٍ وطنيٍّ مشرف وسيرةٍ عطرةٍ تُدرَّس في الوفاء للمبدأ والثبات على القيم.
ولأن الكلمة عند المناضلين الصادقين امتداد للفعل، فقد وثّق سالم صالح محمد تجربته ومسيرته الطويلة في مؤلفه الهام «مدن نسكنها.. ومدن تسكننا»، الذي يُعدّ من أهم ما كُتب عن التاريخ السياسي والاجتماعي الحديث للجنوب. كتبه من خارج السلطة بعد أن تحرّر من قيودها، فكان صادقاً مع نفسه ومع قرّائه، بعيداً عن المجاملة أو التحفّظ، فعبّر بوضوح وجرأة عن رؤاه وتحليلاته لتلك المراحل الدقيقة من تاريخنا المعاصر، مقدّماً شهادة وطنية نزيهة تغني الباحثين والمهتمين، وفي هذا الكتاب يظهر الكاتب والسياسي والمثقف في شخصٍ واحد، يتأمل الأحداث من موقع الشاهد والمشارك، بوعيٍ نقديٍّ عميق وتجربةٍ غنيةٍ نادرة المثال، مما يجعل مذكراته مرجعاً أساسياً لفهم مسارات الحركة الوطنية الجنوبية وتحولاتها ومآلاتها.
إن تكريم هذه القامة الوطنية اليوم في يافع، التي كان له شرف الاسهام في بناء تحمل مسؤليتها بعد الاستقلال كثاني مأمور بعد الشهيد يحيى عبدالقوي المفلحي، هو في الحقيقة تكريمٌ لجيلٍ كاملٍ من الروّاد الأوفياء الذين قدّموا الغالي والنفيس في سبيل الحرية والاستقلال وبناء الدولة الوطنية الحديثة.
إنه تكريمٌ للصدق قبل الأشخاص، وللقيم قبل المناصب، ورسالة تقدير من الحاضر إلى الماضي المشرق الذي صنعه رجالٌ لم يبدّلوا تبديلاً.
تحية تقدير وإجلال للمناضل سالم صالح محمد، وتحية لكل من بادر إلى تكريمه، مع تمنياتنا له بموفور الصحة والعافية وطول العمر، ليظل شاهداً وملهماً للأجيال القادمة التي تتطلع إلى السير على خطى أولئك الرواد الأوائل الذين صنعوا التاريخ بصدقهم ونقاء مبادئهم.
د.علي صالح الخلاقي
20اكتوبر2025م