شارك الخبر
دلتا برس ـ د.علي صالح الخلاقي
تشتهر منطقة يافع بزراعة صنف من أجود أنواع البن الذي ذاع صيته في الآفاق، وتغنّى بطيب مذاقه كل من تذوقه، إذ يعد من الأصناف الرفيعة التي تمتاز بطعمها المتوازن ونكهتها الفريدة التي لا تخطئها الحواس، حتى أصبح علامة فارقة في أسواق القهوة الراقية، ومصدر فخر لأبناء المنطقة.
وتجود كثير من أودية يافع بثمار البن، مثل أودية ذي ناخب والعرقة وحطيب ويهر والعياسى وشعب العرمي ووادي ذي عسيم ومعربان وغيرها غيرها، حيث يتكامل المناخ المعتدل والتربة الخصبة والمرتفعات الجبلية العالية في خلق بيئة مثالية لنمو شجرة البن. ومع ذلك، فقد تراجعت زراعته في العقود الأخيرة نتيجة منافسة شجرة القات التي غزت المدرجات الزراعية واستنزفت المياه ، واستأثرت بمعظم جهود المزارعين طمعاً في الربح السريع، رغم ما تسببه من أضرار صحية واقتصادية.
ومع ذلك، لا تزال جذوة الأمل مشتعلة، فقد شهدت السنوات الأخيرة صحوة زراعية جديدة تمثلت في مبادرات لإحياء زراعة البن في يافع، بدعم من منظمات زراعية وأفراد ومؤسسات وطنية، وتشجيع للمزارعين على استخدام أنظمة الري الحديثة وبناء الحواجز والسدود الترابية للحفاظ على المياه.
وقد أثمرت هذه الجهود في بعض المناطق، مثل وادي ذي ناخب والعرقة، نتائج مشجعة حفّزت المزارعين على العودة إلى شجرة البن، مصدر الخير والبركة.
نكهة البن في وجدان المحضار
ولعل من أبلغ ما قيل في دلالة مكانة البن اليافعي ما ورد في حكاية أغنية المحضار الشهيرة (يا اليافعي غشوك بالزعتر) التي تغنّى بها الفنان الكبير أبوبكر سالم بلفقيه بصوته العذب.
فقد كان الشاعر الكبير حسين أبوبكر المحضار، رحمه الله، من عشّاق القهوة الأصيلة، وكان لا يبدأ نهاره إلا بفنجان من البن اليافعي، الذي أحب مذاقه وتميّز عن غيره بعبقه الفريد.
ويُروى أنه حين كان مقيماً في الإمارات – بدليل إشارته في القصيدة إلى الخور والبندر في قلب دبي – اعتاد ارتياد أحد المقاهي لشرب قهوته المفضلة، لكنه ذات صباح لاحظ أن الطعم تغيّر فجأة، وأن النكهة التي عرفها لم تعد كما كانت. أدرك المحضار بحسّه المرهف أن البن اليافعي قد غُشّ بإضافة مواد أخرى مثل الزعتر أو غيره، بهدف تقليل كلفته وتحقيق ربح سريع، فاستاء الشاعر من هذا العبث بذائقة القهوة الأصيلة، وانطلقت عبارته العفوية الساخطة التي تحوّلت إلى بيتٍ خالد في قصيدته:
آه يا بُنِّي طَعمك اتغيّر
يالْيافعي غشّوك بالزعتر
ذلك البيت لم يكن مجرّد شكوى من تغيّر الطعم، بل صرخة وفاء للبن اليافعي الأصيل الذي رأى فيه المحضار رمزاً للجودة والصدق والنقاء، تماماً كما هي صفات الإنسان اليافعي الذي يعرف بثباته على الأصل.
وقد صاغ المحضار هذه المشاعر في قصيدته الجميلة التي غناها بلفقيه، وجاء في مطلعها:
سير وتخبّر عامليح أسمر
بارع القامة حالي المنظر
دوّرت له في الخور والبندر
ما حد عطاني منه أخبار
عاده هنا أو سار
هكذا يلقي بأهله المهجر
آه يا بُنِّي طعمك اتغيّر
يالْيافعي غشّوك بالزعتر
ما كسبك إلا هيل وبزار
كن الزمن غدّار
تلك الأغنية لم تكن مجرد قصة طريفة، بل وثيقة فنية وإنسانية تذكّرنا بقيمة البن اليافعي خاصة، وتدعو إلى صونه من الغش والإهمال.
واليوم، بينما يتزايد الاهتمام العالمي بالقهوة ذات المنشأ النقي، فإن الفرصة سانحة أمام أبناء يافع لإعادة الاعتبار لهذه الشجرة المباركة التي رافقت وجدانهم قروناً، وجعلت اسم منطقتهم يقترن بالجودة والذوق الرفيع.
فالبن اليافعي ليس فقط فنجان قهوة، بل تاريخ أرض ومذاق إنسان وذاكرة وطنٍ.
ولعل أجمل ختام أن نردد مع المحضار وبلفقيه، لكن بروحٍ متجددة:
لا غشّ ولا زعتر بعد اليوم
ونتمنى أن يعود البن اليافعي كما كان.. نقياً، فريداً، وسفيراً ليافع في كل فنجان.
والصور المرفقة بعدستي لمزارع البُن في زادي يهر

