شارك الخبر
في وطنٍ يملك كل مقوّمات الحياة ولا يزال يبحث عن الحياة، يطلّ علينا عيد الاستقلال هذا العام وقلوبنا مثقلة بما يحيط بالبلد من معاناة. وبين حلمٍ مؤجَّل وواقعٍ يزداد صعوبة، يبقى نوفمبر شاهدًا على قوة هذا الشعب الذي لا ينكسر مهما اشتدت العواصف.
كنتُ أتمنى أن تأتي هذه المناسبة وبلدُنا يعيش أجمل أيامه…
كنتُ أتمنى أن يأتي الثلاثون من نوفمبر وبلادُنا في خيرٍ وفير، ومدنُنا أنظف، وحقولُنا مزروعة بكل أنواع الحبوب، وموائدنا عامرة بما لذ وطاب من خيرات أرضنا.
كنتُ أتمنى أن نرى العلاج متاحًا مجانًا لكل مريض، وأن تُخفَّض تكاليف المدارس الخاصة ليتمكّن كل طالب من حقه في التعليم، وأن تُصلَح الطرق وتستقر الكهرباء فلا تنطفئ في أحلك اللحظات، وأن يشعر المواطن أن الدولة تقف إلى جانبه في كل ما يمسّ حياته اليومية وبقاءه معزز مكرم .
يطلّ علينا الثلاثون من نوفمبر لهذا العام 2025 وبلادُنا ما تزال تُكابد أوضاعا لا تُسر عدوًّا ولا صديقًا… وبرغم كلّ ما نمرّ به، يبقى هذا اليومُ محطة مضيئة في ذاكرة الوطن، يومٌ صنع فيه أبائنا واجدادُنا فجر الحرية وانتزعوا استقلالهم بإرادة لا تلين.
كنت أتمنى كما يتمنى كل مواطن حر أن يحتفل شعبُنا بهذا العيد العظيم وهو يعيش في رغد ونعيم، وأن تُزيَّن الشوارع بناسها لا بمعاناتها. ولو كنتُ مسؤولًا في هذا الوطن لأمرتُ أن تُسخّر تكاليف الاحتفالات الرسمية هذا العام لصالح ما يحتاجه الناس حقًا
مكافحة الآفات الحشرية التي تفتك بمحاصيلنا، والتي زاد انتشارها خلال شهر نوفمبر، وشراء البذور المحسّنة من القمح والدخن لأن موسم الفحل لهما يصادف هذا الشهر ثم توزيعها على المزارعين كـ هدية عيد الاستقلال لعلّ وعسى نستعيد جزءًا من تراثنا الزراعي الذي يكاد أن ينتهي.
أعتذر منك يا عيد نوفمبر…
سأحتفل بك بقلبي وعقلي وروحي وسيحتفل معي المزارعون الذين فقدوا محاصيلهم بسبب الأمراض والآفات، وبسبب السيول الجارفة التي تدفقت عبر وادي مصهيبة في أغسطس 2025، وألحقت خسائر فادحة بمزارعي خَبْت لسلوم في الزراعة والنحل
ومع ذلك…
يبقى نوفمبر عيدًا للوطن، عيدًا للأمل، عيدًا للذين لا يزالون يؤمنون أن هذا البلد قادر على النهوض مهما انكسر، وأن الاستقلال الحقيقي يبدأ من حماية إنسان هذا البلد وأرضه وزراعته.
إنَّ إحياء ذكرى الثلاثين من نوفمبر هو رسالة متجددة بأن بناء الوطن مسؤولية مشتركة، وأن حماية الإنسان، والزراعة، والتعليم، والصحة وتوفير الخدمات هي المعنى الحقيقي للاستقلال الذي ضحّى من أجله الأبطال. وبرغم التحديات، يبقى الأمل أكبر من الألم، وتبقى بلادنا قادره على النهوض متى ما اجتمعت النوايا الصادقة والإرادة الحقيقية.
كل عام والشعب الجنوبي بخير…
وكل عام وأرضنا ومزارعونا اقوى وافضل ووطنُنا أقرب إلى الفجر الذي يستحقه.
عبدالقادر خضر السميطي
دلتا أبين