شارك الخبر
في أيام جني محصول القطن، لم تكن الزراعة مجرد عمل موسمي، بل كانت قيمة اجتماعية متكاملة. كان الجميع يتعاون ويبادر؛ ففي كل يوم يُنظَّم العمل لدى أحد المزارعين، وكأن الحقول تتحول إلى ورش جماعية يسودها النظام والرضا. تلك أيام قد لا تصدقها الأجيال الجديدة، لكنها كانت واقعًا عاشه الناس بكل تفاصيله.
ومن منّا ينسى الشونة المبتلة؟ تلك الشونة التي يختار لها المزارع أفضل وأكبر مكان، ويسميها باسم المبتلة؛ الأم أو الزوجة التي تتولى إعداد الطعام للعمال. لم يكن الاسم مجرد تسمية، بل اعترافًا بدور المرأة كشريك أساسي في الإنتاج الزراعي، وشاهدًا على تقدير الجهد الأسري في موسم الحصاد.
أما يوم حتيت السمسم، فكان قصة أخرى من قصص التكافل. يوم ينتظره الفقراء قبل غيرهم؛ يحضرون، ويجلسون في شكل دائري حول الخيمة التي يتجمع فيها المحصول، في انتظار العشاء. لا تمييز، ولا إقصاء، ولا إحراج. الجميع حاضر، والجميع شريك في الفرحة.
كان المشهد بسيطًا، لكنه عميق المعنى… فالكل يعود مرتاح البال، لا أحد يذهب خالي اليدين، والجميع مستفيد، ولو بالقليل. وهذا القليل كان كافيًا ليصنع الرضا، ويعزز الانتماء، ويقوّي روابط المجتمع.
هذه الذكريات ليست حنينًا فارغًا إلى الماضي، بل رسائل توعوية للحاضر. لقد كانت الزراعة مدرسة للأخلاق قبل أن تكون مصدرًا للرزق، وكانت المواسم الزراعية مساحة للعدالة الاجتماعية، حيث لا يُترك أحد خلف الركب.
اليوم، ونحن نواجه تحديات اقتصادية واجتماعية قاسية، نحتاج إلى استعادة روح تلك الأيام: روح التعاون، والتنظيم، واحترام دور الأسرة، وفتح أبواب الخير للجميع. فالأرض ما زالت قادرة على العطاء، متى ما عدنا نزرعها بالقيم قبل البذور. تلك الأيام العظيمة كان فيها البركة في الرزق، والصحة، والعمر.
رسالتي إلى المزارع… لا تجعل الحصاد مجرد محصول، بل اجعله مناسبة للتكافل؛ فالأرض تبارك في الرزق حين يفرح الجميع بعطائها.
عبدالقادر السميطي
دلتا أبين