شارك الخبر
عبدالكريم الخياطي
داخل الكنيست الاسرائيلي لم يكن المشهد عاديًا. لم يكن استقبالًا بروتوكوليًا لرئيس وزراء دولة بعيدة جغرافيًا. كان إعلانًا صريحًا أن هناك محورًا يتشكل بهدوء، لكن بثقة.
الهند التي قادت يومًا حركة عدم الانحياز، ورفعت راية الابتعاد عن الاستقطاب، تدخل اليوم في تحالف أمني عميق مع إسرائيل، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
المسألة هنا ليست زيارة. وليست مجاملة سياسية.
المسألة أن هذا التحالف يجمع بين دولتين نشأتا، تاريخيًا، في سياق تعريف الدولة عبر هوية دينية واضحة. إسرائيل منذ تأسيسها عرّفت نفسها كدولة يهودية. والهند، وإن كانت جمهورية علمانية في دستورها، فإن خطابها السياسي في السنوات الأخيرة مع مودي اتجه بقوة نحو هوية هندوسية قومية متعصبة تعيد تعريف المجال العام والهوية الوطنية.
عندما تلتقي دولتان تحملان هذا النوع من الوعي السياسي في لحظة صعود يمين قومي في البلدين يصبح التعاون الأمني أعمق من مجرد تبادل خبرات.
وفي وقت تعلن فيه أو تفصح الصهيونية العالمية على لسان سفير أمريكي عن نواياها التوسعية..
اذا .. هو ليس تحالف مصالح باردة فقط.
هو تحالف رؤية.
وهنا يبدأ القلق العربي والأوروبي.
دول الخليج اليوم ليست مجرد مصدّر طاقة. هي اليوم دول رقمية. أنظمتها البنكية، مطاراتها، قطاعاتها العسكرية، إداراتها الحكومية، بنيتها التحتية الحيوية كلها تعمل عبر أنظمة سيبرانية معقدة. والكل يعرف أن الوجود الهندي في هذه القطاعات واسع ومؤثر، سواء عبر شركات أو كوادر أو عقود تشغيل.
يعني بضغطة زر يمكن احداث تسريب أو تعطيل مدمر اقتصاديا وأمنيا وربما عسكريا..
المشكلة ليست في الكفاءة. الهند دولة كبيرة ولديها خبرات تقنية محترمة.
المشكلة في السؤال الذي لا يُطرح علنًا:
ماذا يحدث إذا تحوّل هذا الاعتماد التقني إلى ورقة ضغط في سياق سياسي متوتر؟
عندما تتعمق الشراكة بين نيودلهي وتل أبيب في مجالات:
الأمن السيبراني
التطوير العسكري
التكنولوجيا الدفاعية
تبادل الخبرات الاستخباراتية
فإن ذلك لا يمكن فصله عن البيئة الأيديولوجية التي تحكم البلدين حاليًا.
السؤال ليس اتهامًا.
هو سؤال سيادي بحت:
هل تعريف “التهديد” في نيودلهي اليوم يتقاطع مع تعريفه في تل أبيب؟
وإذا كان كذلك، فأين تقف دول الخليج ومصر وتركيا وباكستان من هذا التعريف؟
حتى في اوروبا لايثقون تماما سواء بالهند أو بالكيان، فالجميع يعرف كم تجسست اسرائيل حتى على أمريكا وأهدت السوفييت أسرارا عسكرية لتحصل على مصالح منها تهجير يهود روسيا..
يخشى خصوم الدولتين أن يتحول صعود الخطاب القومي المتشدد في قيادتهما إلى سياسة ردع تقوم على التلويح الدائم بالسلاح النووي، لا بوصفه خيارًا أخيرًا بل أداة ضغط سياسي.
فالتهديد المتكرر، حتى إن لم يُقصد به الاستخدام الفعلي، يخلق مناخًا من عدم الاستقرار ويزيد احتمالات سوء التقدير في الأزمات.
وحين يقترن النفوذ العسكري بعقيدة هوية متطرفة، تتضاءل مساحات التسوية ويصبح التصعيد أسرع من التهدئة
الهند كانت يومًا تقف إلى جانب القضايا العربية في إطار عدم الانحياز. كانت تحاول أن تبقي مسافة بين القوى الكبرى. اليوم، تبدو وكأنها تختار تموضعًا مختلفًا، أقرب إلى اصطفاف أمني معلن مع إسرائيل.
وهذا حقها كدولة ذات سيادة.
لكن من حق الآخرين أيضًا أن يعيدوا حساباتهم.
ودول الخليج وأوروبا لا تريد أن تُدرج فجأة داخل خانة “هم” في معادلة لا تملك مفاتيحها.
المراجعة ليست عداءً.
المراجعة مسؤولية.
في زمن الحرب الرقمية، السيادة لا تُقاس بعدد الجنود فقط، بل بعدد مفاتيح الدخول التي تملكها أنت… لا غيرك.
وهذا هو جوهر المسألة.