شارك الخبر
تُنبئنا السوسيولوجيا، في قراءتها لطبيعة العلاقات والحراك الاجتماعي، بأن شهر رمضان يتميز عن بقية أشهر السنة (الأحد عشر شهرًا الأخرى) بخصوصية لافتة. ففي هذا الشهر تمتزج صور العبادة وممارسة الشعائر الدينية مع أنماط المعيشة والعلاقات الاجتماعية، في بنية رمزية خاصة يحملها رمضان في وجدان الناس.
يتميز هذا الشهر بالصيام وإحياء الشعائر الدينية، وبآليات دقيقة من التنظيم الاجتماعي، بحيث يغدو رمضان فضاءً عامًا تُعاد فيه صياغة الهوية الجماعية على أسس من معاني الرحمة والفضيلة والإحسان والصدقات. ففيه تتجلى العبادة الجماعية والتقرب إلى الله، مع الحرص على الابتعاد عن المعاصي والمحرمات.
وفي رمضان نلاحظ كيف يعيد الناس ترتيب التوقيت الزمني لحياتهم، فيتحول مركز النشاط من النهار إلى الليل، حيث تدب الحياة وتُمارَس معظم الأنشطة والأعمال، على خلاف ما اعتادوا عليه في بقية أشهر السنة. فتتغير أوقات العمل، وأنماط قضاء الفراغ، وحركة التسوق، وتبادل الزيارات. ويصاحب ذلك اتساع دائرة العادات الاجتماعية، إذ يزداد تبادل العزائم وكرم الضيافة، ويتعزز التكافل والمواساة، وتتجدد صلة الأرحام، وتُرمَّم الروابط الاجتماعية، وتُهذَّب النفس، في ظل التوتر البنيوي بين منطق المقدس ومنطق العادة.
لذلك يغدو رمضان ذا معنى رمزي كبير في حياة الناس ووجدانهم جميعًا: أطفالًا وشبابًا وشيوخًا، رجالًا ونساءً. يتأهب الجميع لاستقباله، ويشعرون بأن قدومه يضفي على حياتهم حالة من السرور والطمأنينة، وربما يظهر فقدان هذا الإحساس في الأيام التي تعقب انقضاءه.
ومن هنا يكتسب رمضان معنى مزدوجًا؛ فهو من جهة شهر ممارسة الشعائر الدينية كالصيام والانضباط الروحي في أداء الصلاة، ومن جهة أخرى فضاء اجتماعي تتجلى فيه أنماط الاستهلاك، وفنون الطبخ، وثقافة المائدة الرمضانية.
أ.د. فضل الربيعي