شارك الخبر
عندما تنظر إلى ما يحدث في إيران اليوم، قد يظن البعض أن هذا البلد يمكن أن يُهزم بسهولة بالحصار أو الحرب أو العقوبات. لكن المشكلة أن من يظن ذلك غالبًا لا يعرف تاريخ إيران.
إيران ليست مجرد دولة ظهرت في العصر الحديث، بل هي واحدة من أقدم الحضارات المستمرة في العالم. تاريخها يمتد لآلاف السنين، من الإمبراطورية الأخمينية التي أسسها كورش الكبير في القرن السادس قبل الميلاد، إلى الإمبراطورية الساسانية، ثم الدولة الصفوية، وصولًا إلى إيران الحديثة اليوم.
هذه الدولة مرت عبر تاريخها بحروب وغزوات تكفي لتدمير عشرات الدول.
غزاها الإغريق بقيادة الإسكندر الأكبر.
ثم دخلها العرب في القرن السابع الميلادي.
ثم اجتاحها المغول بقيادة هولاكو ودمروا مدنًا كاملة.
ثم تعرضت لغزو تيمورلنك.
ثم أصبحت ساحة صراع بين القوى الكبرى في العصر الحديث مثل روسيا وبريطانيا.
لكن رغم كل ذلك… لم تختفِ إيران.
بل في كل مرة كانت تسقط دولة، كانت إيران تعود بشكل آخر.
التاريخ الإيراني قائم على فكرة واحدة:
الانكسار ممكن… لكن الاستسلام شبه مستحيل.
المغول مثلًا دمّروا مدنًا إيرانية بالكامل في القرن الثالث عشر، لكن بعد أقل من قرنين ظهرت إيران مرة أخرى كقوة إقليمية مع الدولة الصفوية التي أسسها الشاه إسماعيل عام 1501، وهي الدولة التي أعادت بناء الهوية الإيرانية ورسّخت شكل الدولة الذي نعرفه اليوم.
حتى في العصر الحديث، تعرضت إيران لعقوبات اقتصادية تُعد من الأقسى في التاريخ المعاصر منذ الثورة الإيرانية عام 1979. ومع ذلك ما زالت تمتلك صناعة صواريخ متقدمة، وبرنامجًا نوويًا، ونفوذًا إقليميًا واسعًا.
وهنا تظهر الحقيقة التي يتجاهلها كثيرون عندما يتحدثون عن إيران.
إيران قد تتعرض للضرب.
قد تُدمَّر مدنها.
وقد ينهار اقتصادها لفترة.
لكن تاريخ هذا البلد يقول شيئًا مختلفًا تمامًا.
هذه حضارة تعودت على الصبر.
في الثقافة الفارسية القديمة هناك فكرة عميقة جدًا: أن الزمن الطويل هو سلاح الشعوب، وليس الجيوش فقط.
ولهذا عندما تنظر إلى إيران اليوم يجب أن تفهم أنك لا تتعامل مع دولة عادية.
أنت تتعامل مع حضارة عمرها أكثر من 2500 سنة.
حضارة تعودت أن تُهزم ثم تعود.
تتعرض للغزو ثم تعيد بناء نفسها.
تنهار دولها… لكن الشعب يبقى.
وهنا السؤال الحقيقي:
هل يمكن تدمير دولة… لكن لا يمكن كسر روحها
جون المصرى