شارك الخبر
جمال شنيتر
تحركات سرية لإنقاذ فاروق من المصير المحتوم
فائقة السيد تكشف تفاصيل محاولة الإخفاء، والسفارة الإثيوبية فرصة النجاة التي لم تكتمل
اخت فاروق غير الشقيقة وشهادة اليوم الأخير
مرحبًا بكم في الجزء الثاني من هذه المادة، وأشكر كل من تفاعل معنا في الجزء الأول مساء أمس الاول، وشارك في إثرائه، وهم كُثر، كما أشكر على وجه الخصوص، بعض الإخوة الذين تواصلوا معي على الخاص بعد نشر الجزء الأول، وتفضلوا بإمدادنا بالمعلومات الإضافية، وفي مقدمتهم الناشطة السياسية المعروفة الأستاذة فائقة السيد، والناشط السياسي عبدالمجيد الصلاحي، وأخت الشهيد فاروق من الأم الأستاذة أفراح جابر، وعدد من جنود الشرطة وأمن الدولة وقيادات حزبية من عدة محافظات، والذين لم يبخلوا علينا بمعلوماتهم، خاصة أن بعضهم كانوا على مقربة من فاروق في تلك الأيام العصيبة.
روايات متعددة والحقيقة واحدة
ما كُتب عن فاروق ورقيًا لم يذكر أو يتطرق إلى ما تردد عن وجوده في شبوة، لكننا ذكرنا أن عدة روايات شفهية أُذيعت في شبوة بعد أحداث يناير، تفيد بأن فاروق استطاع الإفلات من قبضة النظام الجديد متجهًا إلى شبوة متخفيًا، وهي روايات صحيحة، وليست مجرد كلام عابر أو إشاعات، غير أن الخلاف حولها كان يكمن في بعض التفاصيل.
وقد استشهدنا بالمصادر الشبوانية السبعة المذكورة آنفا، من قيادات في سلطة الحزب بعد أحداث يناير، وجنود في أمن الدولة كانوا مع فاروق، وبعضهم شارك في التحقيق معه في سجون عتق، والبعض الآخر شارك في نقله وإعادته إلى عدن.
هناك عدة روايات، منها رواية تفيد بأن فاروق خرج من عدن إلى شبوة، ولكن تم التعرف عليه من قبل نقطة أمن في المحفد م/ أبين، وتم القبض عليه ونقله إلى سجن عتق بشبوة، بحكم القرب مقارنة بعدن.
الرواية الثانية تفيد بأنه تمكن من الإفلات من المنتصرين في عدن، عندما كان ضمن المعتقلين من أبناء شبوة في سجون عدن ولحج، الذين تم إخراجهم إلى عتق في حافلات النقل البري، وكان للقيادي الاشتراكي الراحل ناصر طالب سريع النميري دور مشهود في إخراجهم من عدن إلى المحافظة، وبمساعدة من القيادة الحزبية التي حلت في المحافظة بعد الاحداث، وعند وصولهم تم إيداعهم السجن المركزي، وبعد أيام من التحقيقات داخل السجن، تم التعرف على فاروق كشخصية قيادية مهمة في الحزب، فتم إرجاعه إلى عدن للمحاكمة تحت حراسة مشددة.
الرواية الثالثة تفيد بأن فاروق وصل إلى عتق عبر سيارة أجرة من الفرزة، ومكث متخفيًا في المدينة، مدعيا أنه مغترب عائد من الخارج، وأنه من أهل مديرية مرخة، لكن بعد أيام شكّ أحد أفراد أمن الدولة فيه، عندما شاهده في مقهى مرعي بجانب مكتبة عبدالناصر للصحف في السوق القديم.
جندي متقاعد في جهاز أمن الدولة، كان يعمل حينها في عتق، أكد صحة رواية هروب فاروق إلى شبوة (عتق)، قائلًا”:نعم، وصل متخفيا قادما من عدن، وعندما وصل عتق، قام أحد الجنود بإيقافه تحت الخزان القريب من مبنى المليشيا في السوق القديم، وكان فاروق يدعي أنه من مرخه، وطلب رجال الأمن شخصًا يضمنه، ولكن لم يكن أحد يعرفه، فتم إدخاله سجن المليشيا، ثم نُقل إلى سجن أمن الدولة، وبعد تحقيقات مكثفة تم التعرف عليه، ونُقل إلى عدن تحت حراسة أمنية.”
وحتى لا نتوه في مثل هذه الروايات المتشابهة ويطول الموضوع، نخلص إلى القول إن جميع الروايات التي تحدثت إلينا أكدت وصول فاروق متخفيا إلى شبوة، وتم التعرف عليه من قبل بعض القيادات السياسية والأمنية في سلطة المحافظة آنذاك، ثم نُقل إلى عدن تحت حراسة مشددة، وسُلّم إلى وزارة أمن الدولة، التي كان وزيرها حينها سعيد صالح سالم الردفاني، ونُقل إلى معسكر الفتح الرهيب الذي بنته جمهورية ألمانيا الاشتراكية (الشرقية).
الخلاف يكمن في الطريقة التي وصل بها إلى شبوة، لكن الرواية التي حصلنا عليها من الناشط السياسي الأخ عبدالمجيد الصلاحي تبدو الأقرب إلى الحقيقة فيما يتعلق بهذه النقطة، وسوف نتناولها لاحقا
اللقاء الأخير
مساء أمس، تواصلت معي الأستاذة أفراح جابر، أخت فاروق من الأم، وروت بعضا من ذكرياتها مع أخيها فاروق، وخاصة في الأيام الأخيرة ” أنا من مواليد 1970، وكان الشهيد فاروق يكبرني ب18 عاما، وكان بمثابة أبي، كان يحبني كثيرا، ودائما يهتم بي ويسأل عني، وأذكر أنه أتى إلى بيتنا القديم قبل اندلاع الأحداث بيوم واحد، أي في 12 يناير، وسلّم على أمي، ثم احتضنني طويلًا، كأنه كان يودعني دون أن يقول شيئًا، ولم أنس هذا الموقف أبدا، وبعدها لم نره، وبعد سنة وعدة أشهر تم إعدامه، وكنتُ أنا وزوجته وابنته غيداء وابنه باسل في جمهورية التشيك (براغ) لعلاج غيداء من مرض في العظام، مكثنا هناك فترة طويلة لمتابعة العلاج، وبعدها انتقلنا إلى الإمارات، ثم إلى سوريا للعيش.”
تقول ان فاروق رحل في ريعان العمر، وكأن كانون الثاني- ديسمبر لم يكتف بأن يكون شهر نهاية العام، بل أراد أن يُكتب فيه الميلاد والغياب معا، في قسوةٍ لا يفهمها إلا من عرفوه عن قرب.
وتختم أفراح قائلة:”أتذكر فاروق، فتدمع العين ويبكي القلب، لكنه لم يغب عنا، ظل حاضرا في ذاكرتنا، حتى إنني سميت أحد أحفادي (فاروق)، لقد كان الشهيد محبوبا من الجميع، لأخلاقه الحميدة، وتواضعه الجم، وبساطته، وابتسامته المشرقة.”
السفارة الإثيوبية
الأستاذة والسياسية فائقة السيد كانت قريبة من فاروق في فترة الثمانينيات، ورفيقة نضال وطني، وقد جمعتهما عضويتهما في المجلس اليمني للسلم والتضامن، وكثير من المواقف المشتركة الأخرى أثناء فترة صراع الأجنحة.
وقد تواصلت معنا في موضوع الشهيد، وصححت لنا معلومة مهمة ذكرناها في الجزء الأول، وهي يوم اعتقال فاروق، حيث أكدت أنه لم يُعتقل في اليوم الثالث للحرب، كما ذكرنا في الجزء الأول. وأضافت” قابلت فاروق مرتين بعد توقف القتال بعشرة أيام (توقف القتال بشكل نهائي في حدود 23 يناير ، بمعنى انها التقته في بداية فبراير)، وكنا ننسق لإدخاله السفارة الإثيوبية تأمينًا له وسلامته، وبالفعل قابلت السفير الإثيوبي بصورة سرية، وكنت مرتدية الحجاب من باب التخفي، وقد وافق السفير على طلبي.
وعندما ذهبت لمقابلة فاروق في بيت عائلة – ليست عائلته – في خور مكسر، وكان موجودا عندهم من قبل، وللأسف أخبروني أن فاروق خرج من عندهم في اليوم السابق، وكان ذلك الخبر صدمة لي، وبعد فترة أُعلن عن اعتقال فاروق في منتصف 86تقريبا، وجاءني الخبر وأنا قد وصلت صنعاء، وأخبرتني باعتقاله المحامية راقية حميدان رحمها الله.”
وتضيف ” كان همّنا كيف نخفيه، لأن الجماعة كانوا يبحثون عنه حيا أو ميتا، وفي آخر لقاء به أثناء الحرب، أوصاني على أولاده وأسرته، وكان يتنقل بين أكثر من بيت، وكان مطلوبا لهم، وفي بعض الليالي أثناء الحرب، كان يخرج ومعه شال فلسطيني، متلثما به، على أنه من الفلسطينيين الموجودين في عدن ، لقد خفنا عليه كثيرا، وكان هدفنا الحفاظ عليه ومحاولة تهريبه إلى الشمال أو إلى أي مكان آخر، لقد كان فاروق شخصا مختلفا وأستثنائيا، إنسانا بسيطًا وخلوقا ومخلصًا ومتفانيًا في حب وطنه، الله يرحمه”.
يتبع غدا الجزء الثالث والأخير ان شاء الله