شارك الخبر
نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس خرج في مؤتمر صحافي مفاجيء ليُعلن أن إيران رفضت قبول الشروط الأميركية، وأنه سوف يُغادر إلى العاصمة الأميركية..وعلى الفور خرجت وكالة فارس لتُعلن أن أميركا كانت تبحث بالأصل عن مُبرر للانسحاب من المفاوضات، وأنها بالغت في مطالبها غير القابلة للتحقّق..ما الذي رفضته إيران؟..أمران..
الأول هو فتح مضيق هرمز، والثاني هو التخلي عن مخزونها النووي..إيران وضعت شرطًا قبل التفاوض..لا فتح للمضيق دون التوصل لاتفاق كامل ونهائي..المرارة الإيرانية من الغدر الأميركي باقية..نحن نتعامل مع أحد أكثر الرؤساء المختلين على مر التاريخ المُعاصر، انسحب من اتفاق نووي وقعته أميركا نفسها مع إيران، وشنّ حربين خلال جولات التفاوض..ولا يُعقل أن تُهديه إيران نصرًا إعلاميًا بفتح المضيق، بشكل كامل دون ضمان عدم عودة الحرب..خصوصًا وأن ترامب في مأزق شرس..على العكس من إيران..
أسعار البنزين ارتفعت في أميركا، الرأي العام المحلي غير مؤيد للحرب، هناك انتخابات نصفية للكونجرس على بُعد أشهر، والديمقراطيون يراكمون أخطاء ترامب لحسابه عليها..حلفاء ترامب بالكامل تركوه وحيدًا، ولا دولة واحدة وافقت على إرسال حتى بندقية لفتح المضيق بالقوة..الغطاء العسكري الأميركي للخليج انكشف..والأهم أن هناك تسريبات أميركية للصحافة تُفيد بأن الصين بدأت في إرسال شحنات عبر طرف ثالث من صواريخ الدفاع الجوي المحمولة كتفًا لإيران، وهي نوعية الصواريخ التي أسقطت بالمناسبة طائرة ال F-15..أقصى ما يحتاجه ترامب حاليًا هو نصر بفتح المضيق..حتى يخرج للإعلام ويقول أنه حقّق بمفرده ما عجز عنه العالم..رغم إن المضيق نفسه كان مفتوحًا قبل الحرب أصلًا، ولا يوجد انتصار واحد في إعادة فتحه..
إيران في المقابل لديها شرعية الصمود..في الحروب غير المتكافئة لا تُقاس الخسائر بالبشر والحجر..بل بالأهداف الاستراتيجية الكُبرى..فيتنام انتصرت على أميركا رُغم أن نسبة ضحايا الحرب كانت 50 فيتنامي مقابل جندي أميركي واحد..أفغانستان سحقت أميركا خلال عشرين سنة، رغم أزيد من تريليون $ دفعتها واشنطن لاحتلال البلد لعشرين سنة كاملة..وتعلم إيران تلك الحقائق البديهية..كل شيء قابل لإعادة الإعمار عدا ثلاث..الصواريخ والمخزون النووي والنظام..لذلك هي تتشدّد في المطلب الفرعي وهو مضيق هرمز..وتجعله الثقل الرئيس للملف التفاوضي حتى تحمي الثلاث السابقات..مضيق هرمز انتصار سوف يُمنح لترامب بعد أن تخفت قيمته، وتخرج إيران وهي تحافظ على الحد الأكبر من أصولها الاستراتيجية..حينها يُمكن أن تُعيد الوضع الملاحي للمضيق كما كان وبشروط تضمن لها إغلاقه وقت أن تشاء..لكن السؤال الأهم..هل تعود الحرب فورًا بعد فشل المفاوضات؟..
يبقى احتمالًا واردًا بلا شك..خصوصًا مع الحشد العسكري الأميركي الإضافي الذي وصل للمنطقة قبل أسبوع..لكن ما الذي سوف يتغيّر بالحرب عما سبق؟.قصف إضافي؟..وعلى ماذا؟..منشآت الطاقة الإيرانية؟..للمفاجأة..إيران احتملت 5 سنوات من القصف الصاروخي العراقي بطراز سكود على طهران ومبانيها ومصانعها..كان العراق يمتلك قوة صاروخية كبيرة مقابل إيران التي لم تجد سوى دعم من العقيد القذافي..هل استسلمت إيران للعراق بعد ضرب الأهداف العسكرية والمدنية؟..بالعكس..كان هذا هو دافعها الأول أصلًا لتطوير برنامج صاروخي محلي ابتداءً من عام 1985 على يد المقدّم حسن طهراني..والدخول في شراكات مع روسيا وكوريا الشمالية، قادت في النهاية إلى تحولها لإحدى أكبر القوى الصاروخية على مستوى العالم..والأكثر أهمية هو الخليج..
المواطن الإيراني احتمل عقوبات دولية كاسحة لأربعين سنة..عُملة محلية منهارة وتضخم عملاق، فهل يعجز عن احتمال قطع الكهرباء؟..عكس المواطن الخليجي..الخسائر الخليجية المعلن عنها أصلًا قاسية..في قطر حيث حقل لافان، وفي الإمارات في حبشان، وفي السعودية في منيفة وخط شرق غرب ومعمل خريص وكلهم مجتمعين حجبوا قرابة مليون برميل من الإنتاج السعودي نتيجة للقصف الإيراني..ما بالك لو قٌصفت محطات التحلية ومحطات الكهرباء الخليجية؟..المواطن الخليجي الذي يعيش في دول عقدها الاجتماعي الأوحد هو الرشوة السياسية للمواطن بمستوى قياسي من الرفاه مقابل ترك شئون السلطة للأسر الوراثية..هل يحتمل ضربات كهذه؟..هل يحتمل النموذج الخليجي القائم على تنمية معمارية تجتذب الأجانب لغسيل أموالهم في العقارات، ضربة أقسى لمفهوم الأمن البلاستيكي بعد ضربات شاهد وخيبر شكن، لكن تلك المرة لن يجد الروسي والجورجي والكولومبي والأرمني مياهًا للشرب؟..خطر عودة الحرب أنه لم يبق هناك سوى المستوي المدني للاستهداف..ونتيجته الحتمية..خراب هائل غير قابل للجبر لسنوات طويلة قادمة..وهذا تحديدًا ما قاد للمفاوضات..والعودة إليه جنون مطبق.
هل الحرب هي الخيار الوحيد أصلًا؟..لا..المفاوضات نفسها يُمكن أن تستمر..من البديهي ألا يتوصل الطرفان، أي طرفين بالمناسبة، لاتفاق خلال يومين يُنهي عداءً استمر لنصف قرن..المرحلة الأولى غالبًا تكون لفحص المواقف واختبار ردود أفعال الطرف الآخر..ومن ثمّ يُمكن لجولة ثانية وثالثة ورابعة أن تؤدي لفتح طريق إضافي..ومن هنا الصلابة الإيرانية الهائلة في مواجهة أميركا..أولًا في الميدان ثم على طاولة التفاوض..الغرور الأميركي لا يُمكن مواجهته إلا بكبرياء شديد..وتمتلكه إيران..إن أردت الحرب فلتكن، وإن أردت السلام، فليكن..لن تحصل من الحرب على مكاسب، ولن تحصل بالسلام على ما عجزت عنه بالحرب..هكذا ببساطة..ليست إيران قبل الحرب كما بعدها..إيران صمدت بشكل إعجازي لأربعين يومًا كاملة أمام حرب مشتركة بين الكيان وأميركا..والآن تفاوض على وضعها في الإقليم كقوة مهيمنة..مفاوضات لو نجحت ستخرج منها إيران وقد نالت أخيرًا مبتغاها..حق الصعود الإقليمي ولو بشروط مُخففّة عما كانت تطمح إليها..ولو خسرتها..سينهار النظام في غضون سنوات بعد أن فقد مشروعية وجوده في بناء إيران المستقلة والمٌنافسة..ومن هنا قساوة عملية التفاوض..
لو بقيت أميركا عند حدود ما قبل ال 28 من فبراير لكانت إيران بحق هي الطرف الإقليمي الأكثر خسارة في حرب العامين..فقدان الظهير السني في القطاع، وخطوط الإمداد والتموين في دمشق، وتراجع القوة العسكرية للحليف الأكثر موثوقية في جنوب لبنان لما وراء خطوط الاشتباك في الليطاني..لكن الحرب غيّرت كل شيء بالكامل وأظهرت وجهًا لإيران لم يكن في حسبان أي طرف..قوة صاروخية هائلة تستطيع دك الكيان كل نصف ساعة من على بُعد 2000 كم..دولة متحكمة في خناق التجارة العالمية، ويُمكنها كسر سلاسل إمداد الطاقة بقاذفات وألغام..والرقم الأول في الخليج بالكامل بعد مقدرتها على ضرب الأميركيين في خمس دول خليجية دفعة واحدة..ولهذه الحقائق الجديدة أثمان تفاوضية..في حرب تشنها قوة عظمى على قوة إقليمية..إما أن تُحقق نصر كاسح أو لا تدخل الحرب من الأساس..سمعة الإمبرطورية بالكامل تكون وقتئذ على المحك..
هذه معركة تكسير عظام هائلة بين الكيان الطامح لهيمنة مطلقة وإيران الساعية لموقع في القيادة الإقليمية وأميركا الترامبية التي تخاف بشدة من دوران عجلة المستقبل واستقرارها في الصين، ومن فرط خوفها تُحقق بيديها أشد كوابيسها..صراع ليس فقط حول البرنامج النووي والصاروخي بل على الإقليم بأكمله..وعُقدته الأهم لبنان..تسعى إيران لكي تكون المعركة هناك جزءً من التفاوض..ليس فقط لأهداف تتعلق برد الجميل للحزب، بل حرمانًا للعدو العبري من ضمّ دولة جديدة لحزام التطبيع، وهي في ذلك تسعى لعدم تكرار الكارثة التي ارتكبها العرب بفصل المسارات..حين أقنعت أميركا العرب بالتخلي عن كلمة الحقوق العربية، وتجزئة الحلول إلى مسار مصري-عبري..مسار أردني-عبري..مسار سوري -عبري..ومسار فلسطي*ي-عبري..وكان الهدف حصول البعض على تسوية والاستفراد بالباقيين..وهو ما حدث بالفعل..هكذا يصنع الكيان سطوته..وهكذا تسعى إيران لتجنب الخطيئة من جديد..وهو أصلًا ما يضيف للمفاوضات عُقدة فوق عقدها المستعصية..
المؤسف أن في الخلفية البعيدة جدًا..عربان أجادوا أمرًا واحدًا فقط..الحسابات الكارثية..دعموا صدام ضد إيران، ثم دعموا أميركا ضد صدام، ثم أسقطوا صدام فانهار حجر الصدّ الجغرافي ضد القوة الإيرانية البازغة..وكأن متوالية الكوارث السابقة لم تكن كافية، فاختاروا أسوأ المسارات الممكنة بالتحالف مع أميركا والكيان لضرب إيران..كوارث من أسر حاكمة تفتقد التاريخ والشرف..وها هي الآن تجلس لتشاهد من موقع المُحرّض عملية تفاوضية بعد حرب كارثية..وأقصى ما يخشونه أن يكونوا أنفسهم أثمانًا لترضية الكل..أن تحصل إيران على وضع إقليمي يتيح لها الإفلات بالمضيق والبرنامج الصاروخي..حينها لن تنهار الممالك الخليجية بالطبع..لكن سيحكمها الخوف..الخوف والمهانة التي ستجعل القرار في يد أصغر ضابط أميركي في البنتاجون..وسيدفع الخليجيون أموالهم ونفطهم وماء وجههم..سيدفعون كل شيء طمعًا في حماية المارينز..بدونها لن يصمدوا دقيقة واحدة..هذه ليست معركة حول إيران..هي المعركة الكُبرى حول من يحكم الإقليم كاملًا..ولن تقبل إيران أن تخرج خالية الوفاض..ليس بعد كل ما حدث..ليس بعد الحرب.