شارك الخبر
بعد سقوط برلين عام 1945، هرب أوتو سكورزيني كغيره من القادة من معسكرات الاعتقال، واستقر في مدريد تحت حماية فرانكو بنفسه في اسبانيا.
كان العالم يظن أنه يقضي أيامه في ذكريات الماضي، لكن خلف الستار، كانت هناك معركة استخباراتية طاحنة تدور راحها بين القاهرة وتل أبيب.
سكورزيني في الخمسينيات كان يؤسس لما يسمى “العصر الذهبي للمرتزقة في الشرق الأوسط”.
بعد ثورة يوليو 1952، كان جمال عبد الناصر يبحث عن كفاءات عسكرية بعيدة عن نفوذ بريطانيا وأمريكا.
هنا دخل سكورزيني المشهد، ليس كجاسوس حينها، بل كـ مستشار أمني رفيع المستوى بتزكية من اللواء الألماني فيلهلم فارمباخر.
في معسكرات سرية بمنطقة أنشاص وقناة السويس، أشرف سكورزيني بنفسه على تدريب المتطوعين الفلسطينيين والمصريين.
نقل سكورزيني خبرات الكوماندوز الألماني في حروب العصابات، وزرع الألغام، والاغتيالات الصامتة إلى المقاومة الفلسطينية الناشئة.
كان يركز على تدريبهم على كيفية التسلل خلف خطوط العدو القوات البريطانية في القناة ثم لاحقاً داخل الأراضي المحتلة.
يُعتقد أن التكتيكات التي استخدمها الفدائيون في غزة منتصف الخمسينيات كانت تحمل “بصمة سكورزيني” في التخطيط والهجوم الخاطف.
لم يكن سكورزيني مجرد مدرب، بل كان يجلس بالقرب من كرسي السلطة بالقاهرة كخبير أمني.
ساهم في تقديم استشارات لتأسيس هيكل جمع المعلومات وتدريب الحرس الجمهوري المصري.
كان ناصر يرى فيه الرجل الذي لا يقهر والقادر على مواجهة المخابرات البريطانية التي كان يكرهها سكورزيني بشدة.
في هذه الفترة، جلب سكورزيني العشرات من ضباط “الأس-أس” السابقين إلى مصر للعمل كخبراء عسكريين ومدربين، مما حول القاهرة إلى “مأمن” للمحاربين الألمان القدامى تحت غطاء التدريب العسكري.
ولكن!!
السؤال الذي يطرحه جهابزة الاستخبارات: هل كان سكورزيني مخلصاً لناصر في الخمسينيات؟
تشير بعض الوثائق إلى أن سكورزيني بدأ ببيع المعلومات عن القدرات العسكرية المصرية الناشئة لجهات أوروبية منذ منتصف الخمسينيات ليؤمن لنفسه غطاءً مالياً وحماية دولية.
استغل سكورزيني ثقة القيادة المصرية فيه ليعرف بدقة من هم العلماء الألمان الذين سيتم استدعاؤهم لاحقاً لمشروع الصواريخ، وهو ما جعله صيداً ثميناً للموساد لاحقاً؛ لأنه كان يملك خريطة بشرية لكل أسرار مصر العسكرية.
في عام 1962، قرر الموساد أن سكورزيني يجب أن يموت لأنه كان يساعد العلماء الألمان في مصر. لكن “رافائيل إيتان” رئيس العمليات حينها طرح فكرة مجنونة:
“لماذا نقتله بينما يمكننا استخدامه؟”.
دخل ضابطان من الموساد رجل وامرأة إلى حانة في مدريد حيث يرتاد سكورزيني، وتظاهرا بأنهما زوجان ألمانيان تعرضا لسرقة جوازات سفرهما.
سكورزيني، الذي لم تفارقه حواسه القتالية والاستخباراتيه، سحب مسدسه في وجههما داخل الحانة وقال: “أعلم أنكما من الموساد، وأعلم أنكما جئتما لقتلي!”.
ببرود أعصاب، رد ضابط الموساد: “نعم، نحن هنا لقتلك، ولكننا هنا أيضاً لنعرض عليك صفقة.. حياتك مقابل خدماتك”.
ما الذي يطلبه “أخطر رجل في أوروبا” مقابل خيانة النازية؟ لم يطلب المال.
ولكن ..! طلب غريب….
طلب سكورزيني أن يُرفع اسمه من قائمة مجرمي الحرب التي يطاردها سيمون فيزنتال (صائد النازيين).
و رغم رفض فيزنتال، إلا أن الموساد أعطى سكورزيني وعداً كاذباً بحمايته، وبدأت رسمياً واحدة من أغرب التعاونات في التاريخ.
في الستينيات، كانت مصر تطور برنامجاً للصواريخ كان واعداً (القاهر و الظافر) بمساعدة علماء ألمان خدموا في “بينيمونده” مع هتلر.
و كان سكورزيني يملك كلمة السر للدخول إلى هذا المجتمع.
زار سكورزيني القاهرة عدة مرات، واستقبله العلماء الألمان كـ بطل قومي. كان يتحرك بحرية في المصانع الحربية المصرية،و التقى بجمال عبد الناصر بصفته مستشاراً أمنياً .
و قام سكورزيني بجمع أسماء وعناوين وصور كل العلماء الألمان العاملين في “المصنع 333” المصري وسلمها بالكامل للموساد.
هل تذكر ياصاحبي الطرود المفخخة التي انفجرت في وجوه العلماء الألمان في القاهرة عام 1962؟
سكورزيني هذا هو من سهل وصول هذه الطرود، وهو من “أقنع” العلماء بفتحها، بل ويُقال إنه هو من أرسل الطرد الذي تسبب في فقدان “أوليفر لانج” لبصره.
أخطر ما فعله سكورزيني للموساد كان تصفية “هاينز كروغ”، العالم الألماني الذي كان يزود مصر بمعدات الصواريخ.
اختفى كروغ في ميونيخ عام 1962. الحقيقة الصادمة التي كُشفت لاحقاً هي أن سكورزيني هو من استدرجه إلى غابة، وبدم بارد، أطلق الرصاص على رأسه بينما كان ضباط الموساد يشاهدون للتأكد من ولائه الجديد.
مات سكورزيني في مدريد عام 1975 بالسرطان، وحضر جنازته قدامى المحاربين النازيين وهم يؤدون التحية النازية، غير مدركين أن بطلهم كان “العميل رقم 1” للموساد في مصر، وأنه هو من أجهض حلم الصواريخ المصرية في مهده.
سكورزيني لم يكن يوماً مؤمناً بقضية، لا نازية ولا فلسطينية ولا مصرية. كان مؤمناً بـ “أوتو سكورزيني” فقط. في الخمسينيات بنى “المجد” بدماء المتطوعين، وفي الستينيات قبض “الثمن” بدم نفس هؤلاء الذين وثقوا به.