شارك الخبر
مقدمة تمهيدية:
ليست ظاهرة تعدد المكونات السياسية في الجنوب حدثًا طارئًا يمكن تفسيره بسطحية، ولا هي انعكاس طبيعي لتعدد الآراء كما قد يُروَّج لها. بل هي، في جوهرها، نتيجة تراكمات عميقة من الاختلالات في بنية الوعي السياسي والثقافة التنظيمية لدى النخب، حيث يتداخل الذاتي بالوطني، وتغلب المصالح الضيقة على المشروع العام. ومع كل منعطف سياسي أو حالة فراغ في القيادة، تعود هذه الظاهرة إلى الواجهة بشكل أكثر تعقيدًا، لتكشف حجم الأزمة البنيوية التي لم تُعالج بعد. من هنا، تأتي أهمية تفكيك هذه الظاهرة والوقوف على أسبابها الحقيقية، ليس بهدف الإدانة فقط، بل بحثًا عن مدخل جاد لتصحيح المسار واستعادة المعنى الحقيقي للعمل السياسي. ومن هنا يبرز السؤال الآتي :
لماذا تعود ظاهرة تعدد المكونات في الجنوب من جديد؟
بدءًا نقول إن تعدد المكونات والكيانات السياسية في الجنوب لم يكن صدفة، ولا تنوعًا صحيًا كما قد يعتقد البعض، بل هو مسألة ثقافية وأخلاقية قبل أن تكون سياسية، تكشف عن حالة مرضية تتعلق بأزمة بنيوية تعاني منها النخبة السياسية، لأسباب عدة، منها:
1- عدم النضج الفكري والسياسي:
وتدني المستوى الثقافي لدى تلك النخب المهووسة بحب الزعامة والأنانية المفرطة، التي ترى في الفرد بديلًا عن المؤسسة. بمعنى آخر، فإن أغلب تلك القيادات لم يُصقل وعيها في بيئات حزبية ومؤسسية حقيقية، تسير وفق منظومة عمل مؤسسي محكوم بمعايير علمية واضحة.
2- الولاء للشخص:
يتصدر الولاء الشخصي كل الولاءات الوطنية، وربما تأثروا بنماذج من تلك التجارب. بمعنى أن الهدف يبقى شخصيًا بعيدًا عن كل ما يُطرح من عناوين وشعارات وبرامج سياسية، وغالبًا ما نلاحظ أن هذه المكونات تنتهي بانتهاء القائمين عليها.
3- صفرية التراكم:
حيث يبدأ كل طرف من الصفر، ويهدم ما أنجزه من قبله ليُثبت أنه “المنقذ”. وهذه عبثية معيقة جدًا للتنمية السياسية.
4- الخلافات الشخصية:
تنشأ بدافع الأنانية، لا لأسباب فكرية أو وطنية. فقد ظهرت كثير من المكونات نتيجة خلافات شخصية داخل الأطر التنظيمية، ما يدفع البعض بسهولة إلى إنشاء مكون جديد، في ظل غياب ضوابط وأسس واضحة يمكن الرجوع إليها لإصلاح الخلافات من الداخل.
5- غياب النضج السياسي:
للأسف، تعاني النخب من ضعف في النضج السياسي، الذي يمنح الفاعلين فهمًا أعمق لمعاني السياسة وطرق ممارستها، بحيث يدرك الفرد أن يكون عضوًا في مؤسسة قوية أفضل من أن يكون الأول في “دكان سياسي” فارغ.
6- مسألة الزعامة والظهور:
يعود ذلك إلى تضخم “الأنا”، فيتحول العمل السياسي من وسيلة لخدمة قضية أو مشروع كبير، إلى غاية لتحقيق الذات والحصول على المنافع الشخصية.
7- هوس الميكروفون:
هناك قيادات مستعدة لإفشال مشروع كامل لمجرد الظهور الإعلامي والقول: “أنا رئيس كذا”، حتى أصبحت الزعامة نوعًا من البرستيج الاجتماعي.
8- تضخم الأدوار:
تظهر هذه الحالة عندما يرى كل طرف نفسه “الممثل الشرعي والوحيد”، في رفض واضح لفكرة الآخر، رغم أن العمل السياسي يتسع لعدة أطراف تتكامل تحت هدف واحد، لا أن تتصارع فيما بينها.
9- الارتزاق السياسي:
وهي القضية الأبرز في المشهد اليوم، وأخطر التحديات التي تواجه العملية السياسية الجنوبية. فقد تحولت “القيادة” إلى وظيفة، وأصبح الولاء لمن يدفع، وتغيرت المواقف السياسية بتغير مصادر الدعم، وهو ما يضر كثيرًا بالمشروع الوطني الذي ضحى من أجله آلاف الشهداء.
وللأسف، برز على السطح من صعدوا على حساب المناضلين الحقيقيين، وأصبح من السهل على أي شخص أن يرفع علمًا ويعلن تمثيله للجنوب، ثم يبدأ بجمع التبرعات واستلام الدعم.
10- الفراغ السياسي:
يمكن القول إن من أسباب عودة هذه المكونات إلى الواجهة، هو الفراغ القيادي الذي جعل القضية الجنوبية أشبه بسوق مفتوح، خاصة بعد النكسة التي تعرض لها المجلس الانتقالي في مطلع يناير من هذا العام، ودخول القضية في صراعات إقليمية، حيث ظهرت جهات تمول هذه المكونات لاستخدامها كأوراق ضغط لتمرير أجنداتها.
11- النتيجة على الأرض:
للأسف، يؤدي ذلك إلى تفكيك الصوت الجنوبي الواحد، فبدلًا من التفاوض بكلمة موحدة، يظهر العديد من الوفود المتنازعة، يطعن بعضها بعضًا، مما أفقد المواطن البسيط ثقته بالسياسة والقيادات، وأصبح ينظر إليهم نظرة سلبية.
12- استغلال الخصوم:
إن عبث هذه المكونات يُستغل من قبل الخصوم، الذين يلعبون على التناقضات ويدفعون بها نحو مزيد من الانقسام.
في الختام، نقول لهؤلاء العابثين، سواء كانوا من الداعمين في دول الجوار أو من المرتزقة في الداخل: إن دماء الشهداء وتضحيات أحد عشر عامًا ليست مجالًا للعب، وأن إرادة الشعب أقوى منكم ومن حلفائكم.
كفّوا عن هذا العبث.
وعليه، ندعو إلى ثورة أخلاقية داخل النخب أولًا، تهدف إلى تجريم الارتزاق السياسي شعبيًا، ورفض العبث بالقضية الوطنية والخضوع للوصايا الخارجية، كما تدعو إلى رفض تأليه الزعامة وتمجيد الأفراد، والقبول بمبدأ “القيادة الجماعية”.