شارك الخبر
كنت أشعر بالسعادة عندما اتخذت قرارًا بخوض تجربة العمل مع نفسي في مجال الاستيراد من البلد الذي يُعد الأول عالميًا في الصناعة والتصدير، فقمت بخطوة صغيرة، لكنها كانت مفيدة. شكّلت حجر الزاوية في رحلتي العملية. وخلال خمسة أشهر ظهرت نجاحات فاقت توقعاتي، حين بدأت من الشقة التي كنت أسكنها، وموظف واحد وكانت تلك أول خطوة حقيقية نحو تكوين ذاتي. ثم بعد ذلك دخلت في شراكة قانونية حقيقية مع صديقين من زملائي، وتم تأسيس مقر للشركة واستئجار موقع مناسب لها، كما تم توكيل محامٍ تولّى مهمة التوثيق واستخراج التراخيص اللازمة لتأسيس وتسجيل الشركة في كوانزو بجمهورية الصين الشعبية، فيما كانت هونغ كونغ تمثل المقر الرئيسي لها. وقد تحقق نجاح كبير جدًا خلال السنة الأولى من تأسيسها الأمر الذي دفعني إلى الرغبة في تطوير إمكاناتها من خلال إعادة استثمار الأرباح التي حققناها، إلا أن الطرف الآخر رفض التطوير مما دفعنا إلى إنهاء الشراكة مما دفعنا نحو تأسيس كيانين منفصلين.ومن هنا بدأت خطوة أخرى بالغة الأهمية، أعدّها حجر الزاوية لعملي المستقبلي آنذاك، حيث تخلّصت من جميع العملاء الذين استنزفوا الكثير من طاقتي في الإشراف على أعمالهم مقابل عمولات وديون لم أستطع تحصيلها منهم، فكانت تمثل حجر عثرة أمام الوصول إلى الهدف. وبعد ذلك دخلت في شراكة جديدة لإنشاء مصنع خاص بعملي، وكانت هذه الخطوة مغامرة تنطوي على شيء من المخاطرة؛ لعدم امتلاكي الخبرة الكافية في إدارة المصانع بشكل احترافي، فأوكلت إدارة المصنع إلى شريك يعمل في النشاط ذاته ومن أبناء البلد، وكانت تلك الخطوة أشبه بالخنجر في خاصرة أي تطور حقيقي للعمل. إضافة إلى ذلك، فإن عدم إلمامي باللغة الصينية بالشكل الكافي جعلني غير قادر على التواصل مع الموظفين الإداريين بالصورة الصحيحة، ومهما كان وضعك المالي أو حجم خبرتك العملية السابقة، فإن هذا النوع من التحولات يظل محفوفًا بالمخاطر ويُعد تحديًا صعبًا.غير أن وجود صديقة أثق بها، ولدي تجربة عمل طويلة معها، كان له أثر كبير في تقبّل تلك المغامرة، ولكي أتخلص من بعض الأدوار المرهقة المتعلقة بإدارة العمالة والتواصل مع الموظفين الإداريين في المصنع، أوكلت إليها تلك المهمة. ومع ذلك، بقيت هناك أدوار أخرى بالغة الأهمية لا يمكنني توكيلها لأحد. وبعد مرور سبعة أشهر من النجاح الباهر. اكتشفت أن المصنع يُدار من قبل مجموعة من أفراد أسرتها، وتحولت الإدارة المالية إلى ما يشبه مثلث برمودا. حينها راودتني عدة تساؤلات: كيف أحقق التوازن بين عملي المرهق الذي يستنزفني وعائلتي التي تحتاجني، في وقت كان أبنائي يمرون بمرحلة مهمة من حياتهم، وكانوا في أمسّ الحاجة إلى وجودي معهم، خصوصًا بعدما وصلوا إلى مرحلة الشباب؟ وفي تلك اللحظة اتخذت قراري داخليًا، وأدركت أن التمسك بالمكان الخاطئ ليس إلا طريقًا مؤكدًا إلى الهزيمة. وانطلاقًا من تلك اللحظة بدأت أهيئ نفسي لتقبّل أصعب الظروف والتحديات التي واجهتها على الإطلاق في تلك المرحلة، وفي الوقت نفسه اعتبرتها رحلة نحو الذات الحقيقية، والتحول والتطور في الطريق الصحيح الذي أسلكه، وإعادة تقييم ذاتي وتحديد المسار الأنسب لي؛ فلا يعني ذلك أنني سأظل على حالي حتى النهاية. ولهذا قررت ألا أهدر وقتي أو طاقتي في الدفاع عن أي قرارات اتخذتها باختياري في ذلك الوقت، لأنها كانت نابعة من أعماقي مهما كانت نتائجها، وأدركت أن ذلك التحول كان بمثابة الوفاق مع ذاتي الحقيقية. ولهذا يجب أن نتحلى بالجرأة عند اتخاذ القرارات المصيرية، لأن البعض سيجد صعوبة في تقبّل التغيير أو استيعابه. ولعلك تمضي قدمًا بخطى جريئة لترى العالم ويراَك العالم، وتتخذ القرار الذي ينسجم مع توجهاتك وقناعاتك دون الانصياع لأي تأثير خارجي.
والنصيحة الأهم: لا تشارك أحدًا دون أن توثّق أدق التفاصيل الصغيرة والقانونية مع الآخرين، حتى مع أقرب الناس إليك. وأنا أرفض الشراكات التي تُدار بالعواطف والثقة المتبادلة دون توثيق قانوني ومالي لها ، خصوصًا عندما تكون مستثمرًا خارج بلدك وثقافتك تختلف عن المحيط ، وعندما لا تكون ملمًّا بدهاليز القوانين والعادات والتقاليد في البلد الذي تستثمر فيه، فتجنب إشراك أحد بحجة مساعدتك على اجتياز مرحلة التأسيس، لأن ذلك ليس سوى وهم وإفراط في العاطفة؛ فلا أحد قادر على مساعدتك بقدر ما تستطيع أنت أن تساعد نفسك بإدارتك وخبرتك ورأس مالك. وعندما تسعى للنجاح، اختر الموظفين الأكفاء الذين يتميزون بالخبرة والكفاءة والمصداقية والإتقان، ومهما كان وضعك المالي، يجب أن تستثمر فيما تمتلك فيه المعرفة والخبرة الكافيتين. فإن نجحت، فالنجاح يُنسب إليك، وإن فشلت، فلن يشفع لك أحد، ولن يقف معك أحد كما تتوقع، حتى أقرب الأصدقاء، وفي أي بلد كنت. قد تدهشك أفكاري برفضي للشراكات غير المتكافئة ماليًا أو إداريًا، أو حتى من ناحية المواطنة والحماية القانونية في البلد الذي تستثمر فيه، كما أن خبرة الشريك تُعد عنصرًا بالغ الأهمية ليكون قادرًا على فهم طبيعة العمل ومتطلباته، لأن غياب ذلك قد يخلق سوء فهم يلتهم الشراكة مع مرور الوقت مهما كانت النوايا حسنة.
وعندما عدت إلى نفسي شعرت بالامتنان لتلك التجارب العظيمة التي ساعدتني على إعادة تكوين ذاتي من جديد.
فبدأت بتعليم أبنائي لغة البلد التي استثمرت فيها لسنوات طويلة امتدت إلى قرابة ثلاثين عامًا، وبدأت أمنحهم التوجيه والدروس اليومية أثناء العمل المباشر، وأدركت أن أي عمل ناجح يجب أن يكون خاليًا من العواطف والمجاملات، وأن الصداقات الجديدة التي تنشأ أثناء العمل ليست سوى علاقات مهنية مرتبطة بطبيعة العمل فقط.
كما أن الدخول في شراكات غير متكافئة ماليًا أو إداريًا غالبًا ما يكون مصيرها الفشل، ولأنني جسّدت لهم أن الفشل في أمر ما لا يجعل الإنسان فاشلًا، بل يجعله أكثر قدرة على تفادي الأخطاء، فقد كنت أقرّ بأخطائي وأعمل على تجاوزها. وكان الأهم في تواصلي معهم في حياتنا اليومية أن يكون قائمًا على الصدق والشفافية المطلقة، لأن ذلك منحهم الثقة والقدرة على اللجوء إليّ إذا ما واجهتهم أوقات عصيبة في حياتهم العملية. ولهذا اجعل من زلات الماضي صخورًا تبني بها جسرًا تعبر من خلاله إلى الضفة الأخرى من نهر الحياة الجارف الذي لا يرحم، وتعامل بإنسانية مفعمة بالتسامح مع كل من كان سببًا في ألمك وخذلانك. ولهذا تخلّص فعليًا من عبء الماضي، فلا تندم ولا تتألم لما مضى، ولا تنظر إلى الخلف، وبهذا تصبح أكثر قدرة على فهم الظروف في أي زمان ومكان.وفي هذه المرحلة بالذات وصلت إلى المحطة الأخيرة للتحرر الفكري من أعباء الماضي، والتصالح مع ذاتي، ومحبتها بلا حدود، والعمل على تطويرها على الدوام.
حسين بن أحمد الكلدي
17 / May / 2026