شارك الخبر
شهد التاريخ العربي الحديث محطات صاخبة ومفصلية، لعل أبرزها إعلان الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990 م. غير أن هذا المشروع الذي حُمل على أكف عواطف الجماهير التواقة للتكامل، سرعان ما تحول في غضون أربع سنوات فقط إلى واحدة من أعقد الأزمات السياسية والعسكرية في المنطقة. وتكشف القراءة الموضوعية لتلك الحقبة أن ما حدث لم يكن مجرد خلاف عابر بين شريكين، بل كان عملية ممنهجة قادها نظام صنعاء بقيادة علي عبد الله صالح للالتفاف على الشراكة السياسية، انتهت باجتياح الجنوب وابتلاع مقومات دولته.
أولاً: الخديعة الأمنية وسياسة التصفية الجسدية
دخل الجنوبيون (جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية) مشروع الوحدة كدولة نظامية كاملة الأركان والمؤسسات، تمتلك جيشاً احترافياً مدرباً، وجهازاً إدارياً خالياً من المحسوبية والفساد. في المقابل، كان نظام صنعاء محكوماً ببنية تقليدية معقدة تتداخل فيها سلطة الدولة بالقبيلة والنفوذ العسكري ومراكز القوى الدينية.
لم يكد يمر العام الأول على الوحدة الاندماجية السريعة التي افتقرت للضمانات الدستورية والفترات الانتقالية، حتى بدأت ملامح “الغدر التكتيكي” تظهر في شوارع صنعاء. تجسد ذلك في البدء بتنفيذ تصفية جسدية ممنهجة لكوادر الحزب الاشتراكي اليمني وشريك الوحدة الأساسي؛ فاغتيل أكثر من 150 كادراً جنوبياً، ونجا قادة بارزون من محاولات اغتيال محققة كحيدر العطاس وعلي سالم البيض نفسه. غدت العاصمة صنعاء بيئة مرعبة وغير آمنة للجنوبيين، مما فجر أزمة ثقة عميقة دفعت بنائب رئيس مجلس الرئاسة، علي سالم البيض، للاعتكاف في عدن عام 1993 م احتجاجاً على الانفلات الأمني والمركزية الشديدة.
ثانياً: الانقلاب الديمقراطي والالتفاف على وثيقة العهد والاتفاق
عوضاً عن ترسيخ مبدأ الشراكة الندية بنسبة (50% لكل طرف)، استغل نظام صنعاء فائص القوة السكانية لفرض هيمنته عبر صناديق الاقتراع في انتخابات 1993 م. ولم يكتفِ صالح بذلك، بل أشرك تيار الإسلام السياسي (حزب الإصلاح ) والتيار القبلي كحليف استراتيجي لمحاصرة وتهميش الحزب الاشتراكي.
وعندما تداعت القوى السياسية لإنقاذ الموقف عبر “لجنة الحوار الوطني” وصاغت “وثيقة العهد والاتفاق” التي وقعت في عمان في فبراير 1994 م، تفاءل الشارع اليمني بفرصة حقيقية لبناء دولة مؤسساتية لامركزية تنهي هيمنة صنعاء. لكن نظام صالح، الذي كان يرى في الوثيقة قيداً يحد من نفوذه التاريخي والقبلي، سارع إلى الانقلاب عليها عسكرياً في الميدان قبل أن يجف حبرها. وجاء خطاب صالح الشهير في ميدان السبعين في 27 أبريل 1994 م ليمثل إعلاناً رسمياً للحرب والتعبئة العامة، واصفاً مطالب إصلاح مسار الوحدة بأنها محاولة لـ “تفتيت اليمن”.
ثالثاً: حرب 1994 واجتياح الجنوب عسكرياً
مع انطلاق الشرارة العسكرية، واجه الجنوبيون آلة حرب ضخمة وظفت ضدها كافة الأوراق؛ فإلى جانب التفوق العددي والعسكري لنظام صنعاء الذي تعمد إبقاء الجيشين منفصلين بولاءاتهما السابقة لضمان تفوقه، جرى استخدام “التحريض الأيديولوجي والديني”. إذ صدرت فتاوى دينية كفرت القوى السياسية الجنوبية وشرعنت لاحقاً استباحة الجنوب ونهب ممتلكاته العامة والخاصة تحت لافتة “غنائم حرب”.
أمام هذا الاختلال الحاد في موازين القوى على الأرض، ووصول القوات الشمالية إلى مشارف عدن، لم يجد علي سالم البيض بداً من إعلان فك الارتباط في 21 مايو 1994 م محاولاً استجداء تدخل دولي وإقليمي يوقف نزيف الدم، ولكن دون جدوى. وانتهت الحرب في 7 يوليو 1994 م بسقوط عدن ودخول القوات الشمالية إليها.
رابعاً: الاستتباع و”الوحدة المعمدة بالدم”
بمجرد فرض السيطرة العسكرية وتثبيت معادلة “الوحدة بالقوة”، شرع نظام صالح في عملية اجتثاث وابتلاع واسعة النطاق لمؤسسات الجنوب، وتجلى ذلك في الممارسات التالية:
التسريح الجماعي القسري: إحالة عشرات الآلاف من الضباط والجنود والكوادر المدنية والإدارية الجنوبية إلى التقاعد الإجباري، وتجريدهم من وظائفهم.
السيطرة على المقدرات: بسط السيطرة المركزية المطلقة على الثروات والموارد الطبيعية والنفطية في حضرموت وشبوة، وتهميش المحافظات الجنوبية تنموياً واقتصادياً.
تغيير الهوية الإدارية: طمس معالم مؤسسات الدولة الجنوبية وإحلال منظومة المحسوبية والفساد التي كانت تدار بها العاصمة صنعاء مكانها.
خاتمة
إن الحديث التاريخي والسياسي عن “الغدر بالوحدة” يستند إلى حقيقة واضحة: وهي أن الوحدة في وعي ووجدان الجنوبيين تحولت من مشروع طوعي للشراكة والتنمية والعدالة الديمقراطية، إلى أداة للهيمنة والسيطرة وفرض الأمر الواقع بقوة السلاح والضم والإلحاق.
لقد أفرغت حرب 1994 م الوحدة من مضمونها السلمي، وأنتجت جرحاً غائراً عُرف بـ “القضية الجنوبية”؛ فالشعور بالظلم والإقصاء الذي تلا الحرب هو البذرة الحية التي نمت لتتحول لاحقاً إلى “الحراك الجنوبي” المطالب بتقرير المصير، مؤكداً أن القوة العسكرية قد تكسب معركة على الأرض، لكنها لا يمكن أن تبني وطناً مستقراً أو وحدة حقيقية في قلوب أبنائه.