شارك الخبر
*
بقلم: صالح البخيتي
في سِفر التاريخ الإنساني والقبلي، تظل الشعوب والقبائل تبحث عن مكامن قوتها ومصادر فخرها، وتتسابق في ميادين الشرف لتسجيل أسمائها بمداد من نور في سجلات الخلود. وفي قلب جنوبنا الحبيب، وتحديداً في بلاد يافع الشامخة ذات الصخور الصماء والتاريخ التليد، تتجلى مكاتب يافع العشرة بجناحيها الضاربين في عمق التاريخ يافع بني قاصد ويافع بني مالك كأعمدة راسخة لبنيان اجتماعي فريد، صمد في وجه عاديات الزمن وتحديات العصور. وحين نقف اليوم أمام المشهد اليافعي الراهن، بنشاطه الثقافي والاجتماعي والتنموي المتصاعد، نجد أنفسنا مدفوعين بإنصاف الحقائق وتوثيق الوقائع، لنعلن بملء الفم وبثقة لا تزعزعها الأيام، أن مكتب كَلَد يافع، بفضل حنكة وحكمة قيادته، وتلاحم وتماسك شيوخ قبائله، وعطاء ونبل أبنائه الكرام في الداخل والمغترب، قد استطاع بامتياز وجدارة واستحقاق أن يتبوأ المرتبة الأولى، ويتربع على عرش الصدارة بين المكاتب العشرة قاطبة، مسجلاً حضوراً استثنائياً ونموذجاً عبقرياً يُحتذى به في التنظيم، والبذل، والتنمية، والحفاظ على الهوية التراثية والوطنية.
إن هذه الصدارة المستحقة والريادة المشهودة لم تكن وليدة الصدفة المحضة، بل هي ثمرة طبيعية لنتاج شرعي لعمل دؤوب، وتخطيط استراتيجي محكم، وتنسيق ميداني مستمر تضافرت فيه الجهود وتوحدت فيه الرؤى على مائدة حب يافع وخدمة أبنائها. لقد كان خلف هذا النجاح التاريخي قيادة استثنائية فذة، تمثلت في نائب شيخ مكتب كلد، المهندس الشيخ بدر العطوي (أبو محسن)، هذا الرجل الذي أثبت بحسه القيادي الرفيع، وعقليته الإدارية المنظمة، ونظرته الثاقبة، أنه قبطان ماهر يعرف كيف يقود السفينة في أمواج التحديات، موجهاً ومتابعاً ومشرفاً ومحفزاً، مسنوداً بالجهود المخلصة والمواقف المشهودة للشيخ حمود بن عبدالباقي، والشيخ سالم علي عمر، وكافة شيوخ وأعيان وعقال قبائل كلد الأوفياء، الذين ترفعوا عن الصغائر، وتساموا فوق كل الحسابات الضيقة، وعملوا بروح الفريق الواحد لرفعة اسم مكتبهم، وجعله عديلاً للمجد وعنواناً للتفوق في إطار النسيج اليافعي الجامع.
حين نتحدث عن مكتب كلد، فإننا نتحدث عن جغرافيا ممتدة، وتاريخ ضارب بجذوره في أعماق الهوية الحميرية الأصيلة، وتركيبة بشرية تجمع بين الشجاعة في الساحات، والكرم في البيوت، والحكمة في مجالس القرار. وهذا الإرث التاريخي العظيم لم يبقَ حبيس الكتب والمرويات، بل تحول بفضل القيادة الحكيمة والشيوخ الأجلاء والأبناء المخلصين إلى واقع حي معاش، يتجسد في كل محفل ويتجلى في كل تظاهرة. ولعل ما شهدته يافع في الآونة الأخيرة، وتحديداً خلال فعاليات مهرجان القارة التراثي والثقافي السنوي السادس لهذا العام، كان الاختبار الحقيقي والميدان الأبرز الذي ظهرت فيه معادن الرجال، وتجلت فيه القوة التنظيمية الهائلة لمكتب كلد، حيث تحول أبناء هذا المكتب إلى كتلة بشرية متناغمة، تعمل بدقة الساعة وتتحرك بحماس العقيدة التراثية، لترسم لوحة سريالية من الولاء والانتماء أبهرت الحاضرين والمتابعين من مختلف أرجاء الوطن وخارجه، وجعلت من مكتب كلد حديث المجالس وقبلة الثناء.
لقد تجلت صدارة مكتب كلد في هذا المحفل الكبير من خلال ثلاثة مسارات
لم تكن المشاركة مجرد حضور عشوائي للأفراد، بل سبقتها أسابيع من التحضير المكثف التي قادها الشيخ بدر العطوي وإخوانه من الشيوخ، حيث تم تشكيل اللجان المتخصصة، وتنظيم أعمال المندوبين في مختلف القرى والمناطق والوديان التابعة لمكتب كلد، وتحديد المهام بدقة متناهية، مما أسفر عن مستوى من الانضباط أدهش اللجان العليا للمهرجان، وأثبت أن القبيلة في مفهوم مكتب كلد قد ارتقت لتصبح مؤسسة مدنية واعية قادرة على إدارة الحشود بأسلوب حضاري راقٍ.
في مشهد يفيض بروح المسؤولية المجتمعية، ويعكس عمق الفخر بالهوية اليافعية، تكفل مكتب كلد بتوفير الزي الشعبي والرسمي اليافعي الأصيل لجميع المشاركين التابعين له من أصحاب البرع، والشعراء، والمثقفين، واللجان الإعلامية، والمشاركين في الفقرات الفنية والخطابية للحفل. ولم تكن هذه الخطوة مجرد توفير ملابس، بل كانت رؤية بصرية واعية تهدف إلى توحيد المظهر العام، وإبراز الهوية البصرية ليفاع بأبهى وأجمل صورها، مما أضفى على حضورهم في ساحات القارة هيبة وجلالاً، وجعل من وفد كلد لوحة فنية متحركة تتناسق فيها الألوان وتشع منها عراقة التاريخ.
أدركت قيادة مكتب كلد أن التراث ليس مجرد تكرار للماضي، بل هو شعلة مقدسة يجب أن تُسلم من أيدي الآباء إلى أيدي الأبناء لضمان استمراريتها. ومن هذا المنطلق، حرص المكتب على إيلاء اهتمام خاص بالشباب الموهوبين والمهاريين في مختلف مجالات الفنون التراثية والشعر والإعلام من أبناء كلد، ومنحهم الفرصة الكاملة والثقة المطلقة لقيادة الصفوف. هذا المزيج العبقري بين حكمة الوجهاء وحماس الشباب أثمر عن مشهد ثقافي متناغم جمع بين عراقة الأصالة ومتطلبات التجديد، وضخ دماء جديدة في عروق الموروث اليافعي لضمان بقائه في نفوس الأجيال القادمة.
إن الحديث عن ريادة مكتب كلد يدفعنا بالضرورة إلى الغوص عميقاً في تفاصيل التلاحم القبلي والاجتماعي الذي يميز هذا المكون؛ ففي الوقت الذي تعاني فيه الكثير من الكيانات من تباين الرؤى، يقدم مكتب كلد نموذجاً ميثاقياً في وحدة الكلمة ولمّ الشمل والالتفاف حول القيادة المرجعية. هذا التلاحم هو نتاج للسياسة الحكيمة والمنفتحة التي ينتهجها الشيخ بدر العطوي (أبو محسن) ورفاق دربه من الشيوخ، وهي سياسة تقوم على مبادئ الشورى، والعدالة، والإنصاف، وتغليب المصلحة العامة على أية مصالح شخصية أو جهوية ضيقة. لقد نجحت هذه القيادة في مد جسور التواصل المستمر مع كل شرائح المجتمع، واستمعت إلى هموم المواطنين، ودعمت مشاريع التنمية المحلية، ووقفت بصلابة في حل النزاعات وإصلاح ذات البين، مما خلق بيئة اجتماعية مستقرة وآمنة ومحفزة على الإبداع والعطاء، وجعل من أبناء كلد يداً واحدة وقوة مجتمعية مهيبة يُحسب لها ألف حساب في جغرافيا يافع الشاسعة.
لقد رسم وفد مكتب كلد في استقبال سلاطين يافع، وفي كافة فعاليات مهرجان القارة السادس، لوحة اجتماعية ووطنية مهيبة عز نظيرها؛ امتزج فيها الانضباط الصارم بالحماس المتدفق، والتنظيم الإداري الدقيق بالأصالة القبلية العريقة. فكان أبناء كلد بحق وحقيقة هُم عنوان الوفاء والتلاحم، وروح الانتماء الصادق للأرض والإنسان، مقدّمين للعالم نموذجاً متكاملاً للعمل الجماعي المسؤول الذي ينزل إلى الميدان ليشمر عن ساعد الجد، ويبني، وينظم، ويطور، ويصنع من المناسبات التراثية منصات للانطلاق نحو المستقبل المشرق الغني بالمنجزات.
ومن هذا المنطلق، فإن كلمات الشكر والثناء، وعبارات التقدير والاحترام، تظل قاصرة وعاجزة عن الإحاطة بحجم هذا العطاء السخي والجهد الجبار. غير أن الوفاء الأخلاقي والتاريخي يقتضي منا كإعلاميين وموثقين ومتابعين أن نُسجل هذه المواقف المشرفة بأحرف من ذهب في سجلات العرفان التاريخية، وأن نخلدها كصورة مشرقة من صور العطاء اليافعي الأصيل التي تتوارثها الأجيال بكل فخر واعتزاز. إن التكريم الحقيقي لمكتب كلد لا يكمن في الشهادات والجوائز، بل في هذا الحب الجارف والاحترام الكبير الذي بات يحظى به من كل أبناء يافع بمختلف مكاتبها في بني قاصد وبني مالك، والذين رأوا في صدارة كلد صدارة ليافع برمتها، وفي نجاحها نجاحاً للمشروع الثقافي والاجتماعي الشامل.
وفي الختام، لا يسعنا إلا أن نرفع قبعات الاحترام والتقدير، ونوجه تحية إجلال وإكبار، معطرة بأريج المودة والاعتراف بالفضل، إلى مقام نائب شيخ مكتب كلد المهندس الشيخ بدر العطوي (أبو محسن)، الذي أثبت أنه رجل المرحلة وكل المراحل، وإلى الشيخ حمود بن عبدالباقي، والشيخ سالم علي عمر، وإلى كل شيوخ وأعيان وعقال ووجهاء وشباب وأبناء قبائل كلد الأشاوس، في الداخل والمهجر، الذين كانوا جميعاً وبلا استثناء على قدر المسؤولية التاريخية، وقدموا نموذجاً يُحتذى به في التعاون والبذل والتضحية. لقد أثبتت الأيام والوقائع بما لا يدع مجالاً للشك، أن مكتب كلد سيبقى دائماً وأبد الرقم الصعب، والرمز الأبرز، والمصدر الأساسي للفخر في سجل يافع المعاصر، وأن صدارته للمكاتب العشرة هي صدارة مستحقة تيجانها الوفاء، وأعمدتها الرجال، وسقفها المجد المؤثل الذي لا يطاله النسيان. فدمتم يا أبناء كلد درعاً حصيناً، وعنواناً عريضاً للريادة والتميز، وحفظ الله يافع بني قاصد وبني مالك وأهلها من كل مكروه وسوء، ووفق الجميع لما فيه خير البلاد والعباد.